08-12-2019

عزيز لعويسي يكتب: نافذة على "الصحافة"

 

خبر وفاة الفنان القدير "عبد القادر مطاع"، انتشر في مختلف مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، كما تنتشر النيران في الهشيم، في ظل ما يعرفه "العالم الأزرق" من "فوضى خلاقة"، تشكل تربة خصبة ومكان عيش دافئ لصناع العبث، ومروضي الإشاعة ومحركي نواعير الأخبار الزائفة والمثيرة للجدل، وإذا كانت "الإشاعة الزرقاء" أو "الافتراضية"، لا تثير أحاسيس الدهشة والاستغراب، لما يكون مصدرها "كائنات رقمية" لا تجد حرجا في اختراق حدود القيم والأخلاق وتجاوز ضوابط سلطة القانون، في عالم يبدو كالحصان المتمرد الذي يصعب ترويضه أو إخضاعه أو التحكم في حركاته وسكناته، فإن الممارسة التي لا يمكن قبولها أو التطبيع معها، هي انزلاق بعض المنابر الإعلامية الإلكترونية في جليد الإشاعة الزرقاء التي جعلت من "الطاهر بالفرياط" في تعداد الموتى والراحلين، خلافا للواقــع.
ما حدث مع السيد "مطاع"، حدث في أكثر من مناسبة مع أيقونة الغناء الشعبي "الحاجة الحمداوية" التي تم الإعلان عن خبر وفاتها أكثر من مرة، وهي مازالت "حية ترزق"، كما حدث مع عدد من الفنانين والسياسيين، تارة بالإعلان عن خبر وفاتهم، وتارة ثانية بالإساءة إليهم وتارة ثالثة بالنبش في تضاريس حياتهم الخاصة دون حرج أو حياء.
الصحافة ليست فقط، التحوز ببطاقة الصحافة أو الانخراط في التنظيمات المهنية للصحفيين، أو الظفر بـ"ميكروفون" والقيام برحلات مكوكية في الشوارع والأحياء بحثا عن خبر مثير أو فضيحة شنعاء أو جريمة نكراء، تسمح بكسب أكبر نسبة من المشاهدات، سعيا وراء "البوز الخادع".. الصحافة هي أولا وقبل كل شيء، "أخلاق" و"التزام" بأخلاقيات المهنة، و"تقيد" بضوابط وحدود العمل الصحفي الرصين، و"سعي" مستدام إلى احترام "المتلقي"، بتمكينه من "منتوج" مهني، يسمو بالذوق ويرتقي بمستوى الوعي والإدراك، بعيدا كل البعد عن الأعمال التي لا تبارح مستنقعات "الإثارة" وأخواتها.
الصحافة الرصينة، تلتزم بأخلاقيات المهنة وتتقيد بسلطة القانون، وتتبارى بشرف في الارتقاء بالأذواق والتأطير والتثقيف والتنوير والترفيه، ومن يراهن على "البوز"، فالبوز الحقيقي، يمر قطعا عبر الحرفية والتحلي بشروط الموضوعية والدقة والمصداقية والحياد، والصحافة المسؤولة التي تحترم المتلقي، تجعل من البحث والتحري والتقصي منهاجا لها والخيط الناظم الذي يؤطر خطها التحريري، تكريسا لسلطة الحقيقة، التي عبرها تتحقق "المصداقية" التي تعد عصب الحياة في بلاط السلطة الرابعة.
يكفي النظر إلى واقعة السيد "عبدالقادر مطاع" وما حدث أخيرا مع الرابور "مسلم"، وما عرفته قضيته من إقبال هستيري من قبل بعض المنابر، لنتملس "مأزق الصحافة" أو جانبا من الصحافة، التي تجد ذاتها في القضايا الساخنة والأخبار المثيرة للجدل، بدل الانكباب على قضايا المجتمع وما أكثرها، والارتقاء بمستويات النقاش والنقد والتحليل وفتح المجال لتبادل الآراء والمواقف ووجهات النظر، أما خصوصيات الأشخاص، فنراها خطا أحمر، وليس من حق أي شخص أو جهة أو منبر إعلامي، انتهاك حرمات الأشخاص، وجعل حياتهم مادة خبرية أو فرصة لممارسة الإثارة، دون اكتراث لما يكتب أو ينشر من تداعيات على المعنيين بالأمر ومحيطهم الأسري وعلاقاتهم الاجتماعية.
"عبد القادر مطاع" أو "الطاهر بالفرياط" لازال حيا يرزق (حسب ما أكدته القناة الثانية ضمن نشرة الظهيرة ليوم الجمعة 6 دجنبر 2019)، ونسأل الله أن يحيطه بالصحة والعافية، في لحظة صحية تقتضي الرعاية والالتفاتة والاحتضان قبل فوات الأوان.. والذي مات، هو "الضمائر" التي تقتات على الإشاعات وتتغذى على الأخبار الزائفة، وتتلاعب بالعواطف والأحاسيس والآلام والآهات.. الذي مات هو "بعض الصحفيين " (مع وجود الاستثناء طبعا) الذين يغتصبون بأعمالهم غير المسؤولة جسد "صاحبة الجلالة" في واقع إعلامي يسائل "ماهية" قانون الصحافة والنشر، كما يسائل الجدوى من تنزيل "ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة"، في ظل ما يعتري المشهد الإعلامي من مشاهد العبث والفوضى الناعمة أو "المسكوت عنها"..
الذي مات.. هو "أخلاقنا" المصابة بالضعف والهوان وممارساتنا المرتبكة، وقمة الارتباك والغرابة، أننا نتجاهل "الأحياء" ونقدس "الموتى"، ونتزاحم في مضمار العالم الافتراضي، لنعلن "الوفاة" ونستحضر الخصال والشمائل، ونتسابق بقصد أو دونه في من سيكتب: "إنا لله وإنا إليه راجعون"..
الذي مات هو "نحن" (بصيغة الجمع) و"الصحافة" في آخر المطاف لا تعكس إلا "نبض" و"سلوك" و"اتجاهات" المجتمع، ومسك الختام، لا يسعنا إلا أن ننوه بكل المنابر الإعلامية النزيهة والجادة، وبكل الصحفيين، الذين يجعلون بجدهم وتفانيهم وغيرتهم الوطنية، من "الصحافة".. مهنة النبل والرقي.. "صاحبة الجلالة" التي لا يمكن تصور حياة دونها أو بمعزل عنها...
خبر وفاة الفنان القدير "عبد القادر مطاع"، انتشر في مختلف مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، كما تنتشر النيران في الهشيم، في ظل ما يعرفه "العالم الأزرق" من "فوضى خلاقة"، تشكل تربة خصبة ومكان عيش دافئ لصناع العبث، ومروضي الإشاعة ومحركي نواعير الأخبار الزائفة والمثيرة للجدل، وإذا كانت "الإشاعة الزرقاء" أو "الافتراضية"، لا تثير أحاسيس الدهشة والاستغراب، لما يكون مصدرها "كائنات رقمية" لا تجد حرجا في اختراق حدود القيم والأخلاق وتجاوز ضوابط سلطة القانون، في عالم يبدو كالحصان المتمرد الذي يصعب ترويضه أو إخضاعه أو التحكم في حركاته وسكناته، فإن الممارسة التي لا يمكن قبولها أو التطبيع معها، هي انزلاق بعض المنابر الإعلامية الإلكترونية في جليد الإشاعة الزرقاء التي جعلت من "الطاهر بالفرياط" في تعداد الموتى والراحلين، خلافا للواقــع.
ما حدث مع السيد "مطاع"، حدث في أكثر من مناسبة مع أيقونة الغناء الشعبي "الحاجة الحمداوية" التي تم الإعلان عن خبر وفاتها أكثر من مرة، وهي مازالت "حية ترزق"، كما حدث مع عدد من الفنانين والسياسيين، تارة بالإعلان عن خبر وفاتهم، وتارة ثانية بالإساءة إليهم وتارة ثالثة بالنبش في تضاريس حياتهم الخاصة دون حرج أو حياء.
الصحافة ليست فقط، التحوز ببطاقة الصحافة أو الانخراط في التنظيمات المهنية للصحفيين، أو الظفر بـ"ميكروفون" والقيام برحلات مكوكية في الشوارع والأحياء بحثا عن خبر مثير أو فضيحة شنعاء أو جريمة نكراء، تسمح بكسب أكبر نسبة من المشاهدات، سعيا وراء "البوز الخادع".. الصحافة هي أولا وقبل كل شيء، "أخلاق" و"التزام" بأخلاقيات المهنة، و"تقيد" بضوابط وحدود العمل الصحفي الرصين، و"سعي" مستدام إلى احترام "المتلقي"، بتمكينه من "منتوج" مهني، يسمو بالذوق ويرتقي بمستوى الوعي والإدراك، بعيدا كل البعد عن الأعمال التي لا تبارح مستنقعات "الإثارة" وأخواتها.
الصحافة الرصينة، تلتزم بأخلاقيات المهنة وتتقيد بسلطة القانون، وتتبارى بشرف في الارتقاء بالأذواق والتأطير والتثقيف والتنوير والترفيه، ومن يراهن على "البوز"، فالبوز الحقيقي، يمر قطعا عبر الحرفية والتحلي بشروط الموضوعية والدقة والمصداقية والحياد، والصحافة المسؤولة التي تحترم المتلقي، تجعل من البحث والتحري والتقصي منهاجا لها والخيط الناظم الذي يؤطر خطها التحريري، تكريسا لسلطة الحقيقة، التي عبرها تتحقق "المصداقية" التي تعد عصب الحياة في بلاط السلطة الرابعة.
يكفي النظر إلى واقعة السيد "عبدالقادر مطاع" وما حدث أخيرا مع الرابور "مسلم"، وما عرفته قضيته من إقبال هستيري من قبل بعض المنابر، لنتملس "مأزق الصحافة" أو جانبا من الصحافة، التي تجد ذاتها في القضايا الساخنة والأخبار المثيرة للجدل، بدل الانكباب على قضايا المجتمع وما أكثرها، والارتقاء بمستويات النقاش والنقد والتحليل وفتح المجال لتبادل الآراء والمواقف ووجهات النظر، أما خصوصيات الأشخاص، فنراها خطا أحمر، وليس من حق أي شخص أو جهة أو منبر إعلامي، انتهاك حرمات الأشخاص، وجعل حياتهم مادة خبرية أو فرصة لممارسة الإثارة، دون اكتراث لما يكتب أو ينشر من تداعيات على المعنيين بالأمر ومحيطهم الأسري وعلاقاتهم الاجتماعية.
"عبد القادر مطاع" أو "الطاهر بالفرياط" لازال حيا يرزق (حسب ما أكدته القناة الثانية ضمن نشرة الظهيرة ليوم الجمعة 6 دجنبر 2019)، ونسأل الله أن يحيطه بالصحة والعافية، في لحظة صحية تقتضي الرعاية والالتفاتة والاحتضان قبل فوات الأوان.. والذي مات، هو "الضمائر" التي تقتات على الإشاعات وتتغذى على الأخبار الزائفة، وتتلاعب بالعواطف والأحاسيس والآلام والآهات.. الذي مات هو "بعض الصحفيين " (مع وجود الاستثناء طبعا) الذين يغتصبون بأعمالهم غير المسؤولة جسد "صاحبة الجلالة" في واقع إعلامي يسائل "ماهية" قانون الصحافة والنشر، كما يسائل الجدوى من تنزيل "ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة"، في ظل ما يعتري المشهد الإعلامي من مشاهد العبث والفوضى الناعمة أو "المسكوت عنها"..
الذي مات.. هو "أخلاقنا" المصابة بالضعف والهوان وممارساتنا المرتبكة، وقمة الارتباك والغرابة، أننا نتجاهل "الأحياء" ونقدس "الموتى"، ونتزاحم في مضمار العالم الافتراضي، لنعلن "الوفاة" ونستحضر الخصال والشمائل، ونتسابق بقصد أو دونه في من سيكتب: "إنا لله وإنا إليه راجعون"..
الذي مات هو "نحن" (بصيغة الجمع) و"الصحافة" في آخر المطاف لا تعكس إلا "نبض" و"سلوك" و"اتجاهات" المجتمع، ومسك الختام، لا يسعنا إلا أن ننوه بكل المنابر الإعلامية النزيهة والجادة، وبكل الصحفيين، الذين يجعلون بجدهم وتفانيهم وغيرتهم الوطنية، من "الصحافة".. مهنة النبل والرقي.. "صاحبة الجلالة" التي لا يمكن تصور حياة دونها أو بمعزل عنها...
نقلاً عن " هسبريس "