من نحن | هيئة التحرير | أجعلنا الرئيسية | اضفنا للمفضلة | الاعلانات راسلنا

 

 

السبت 15 أغسطس 2020 الساعة 12:54 صباحاً

 
فلسطين لبنان سوريا الأردن عمان البحرين قطر الكويت الإمارات السعودية مصر
جزر القمر جيبوتي موريتانيا الصومال تونس المغرب الجزائر ليبيا السودان اليمن العراق

أنت الآن في :

الوطن العربي
الوطن العربي

  طباعة   طباعة
  حفظ   حفظ الصفحة
  أضف للمفضلة   أضف إلى المفضلة

  Bookmark and Share

 

 

  تلفزيون الصحفيين

شات الصحفيين

 

 
رايك فى تعامل الاعلام مع فيروس كورونا
حقيقي و موضوعي
التقليل والتعتيم
التهويل والتخويف
النتائج
الاسئلة السابقة
 
 

مطلوب صحفيين ومراسلين من مختلف الدول العربية

 

فرص مميزة للعمل في مؤسسة اعلامية كبري في دبي

 

صحفي اليوم السابع بعد حواره مع ملكة جمال العرب في إسرائيل : نعم هي بطله لأنها رفضت تمثيل إسرائيل في مسابقة جمال العالم

 

د. محمد النشائى : أنا أول من ذكرت تراجع الزمن فى مصر ومن الغريب تجاهل زويل لنظرياتى

 

جريدة تطلب صحفيين ومندوبي تسويق

 

المسئولية الاجتماعية للبرامج الحوارية التليفزيونية اليومية في تناول الأداء الحكومي

 

دورات تدريبية للصحفيين والاعلاميين في عام 2010 بالتعاون مع شبكة الصحفيين العرب

 

جهة حكومية بالأمارات تطلب وظائف

 

صاحب مدونة الحقيقة المصرية : قضيتي وراءها شخصيات سياسية كبيرة

 

الامين اعلن نهاية اللعبة .. باي باي مجدي الجلاد

 
 

مطلوب صحفيين ومراسلين من مختلف الدول العربية

 

فرص مميزة للعمل في مؤسسة اعلامية كبري في دبي

 

جريدة تطلب صحفيين ومندوبي تسويق

 

مطلوب مذيعين ومذيعات ــ الامارات

 

مطلوب محررين صحفيين فى السعودية

 
 

 

 

 

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أحدث الموضوعات والأحداث الصحفية

 
 
 

 

 

 

 
 

 

وزير الإعلام :حددنا مع الداخلية 4 ضوابط لحركة الصحفيين والإعلاميين فى الحظر ... وداعًا كورونا.. فرنسا تزف بشري سارة عن دوائين للفيروس القاتل ... وزير الإعلام: قرار حظر حركة المواطنين لا يشمل الصحفيين والإعلاميين ... وفاة إعلامى شهير من زيمبابوى يبلغ من العمر 30 عاما بفيروس كورونا ... لجنة الصحة في الصين: خطر انتقال فيروس كورونا لا يزال قائما ... نيويورك تايمز: نقص الكمامات يكسر كبرياء أمريكا ويحوجها للصين ... مدبولي يحذر: عقوبات بالغرامة والحبس للمخالفين لقرار الحظر بسبب كوورنا ... لمدة أسبوعين.. رئيس الوزراء يعلن تفاصيل حظر التجوال لمواجهة كورونا ... صحفي بالمكتب الإعلامي في البيت الأبيض مشتبه بإصابته بكورونا ... الكويت: السجن 10 سنوات لمن يتعمد نقل عدوى كورونا ...

تحريك إلى اليسار  إيقاف  تحريك إلى اليمين 

 

 

 

 

محمد الباز يكتب: الهندسة الإعلامية.. هل نجحت الدولة فى إنقاذ الإعلام؟

 
0 عدد التعليقات: 107 عدد القراءات: 08-12-2019 بتاريخ: كتب:

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

 

 

 

الدولة تحملت العناء الأكبر ليبقى الإعلام على قيد الحياة بعد أن تراجعت إيراداته الذاتية واختفى ممولوه المباشرون
الدولة عملت على بناء الإعلام عبر تخطيط شامل لاقتصادياته وتوظيف إمكانيات العاملين به بما يؤدى إلى نهوضه
الرؤية تقوم على تقليل الفجوة بين مصروفات وإيرادات الصحف وتعظيم الاستفادة من الإصدارات الإلكترونية
الدولة تدخلت لضبط الأداء الدرامى وليس للسيطرة أو تحقيق مكاسب مادية.. وهى تعمل منذ فترة على النهوض بـ«ماسبيرو»
هناك محاولة جادة لضخ دماء جديدة فى شرايين الإعلام المصرى وتمكين الشباب بشكل كبير
منصة «واتش إت» تهدف لحماية التراث المصرى من عمليات السطو والقرصنة لكنها تعرضت لمحاولة تشويه كاملة
الهجوم على الإعلام المصرى ليس موضوعيًا أو منطقيًا بل يقوم به أصحاب المصالح والمضارون من عمليات ضبط الأداء
لم يتوقف الهجوم على الإعلام المصرى، خلال السنوات الماضية، يومًا واحدًا، صباح كل يوم يتعرض العاملون فيه إلى حملات تشويه وتنظير، وكأنه المسئول عن كل خطايا الأرض مجتمعة، والغريب أن حملات الهدم لا تنطلق من جبهة واحدة، ولكن كل الجبهات اجتمعت عليه، فى حالة أقرب إلى الهستيريا التى لا علاج لها ولا حل.
وقد تسأل ببراءة، لا تخلو من بعض الخبث، عن هذه الحالة التى لم يشهدها الإعلام المصرى فى تاريخه، حتى بعد هزيمة ٦٧، عندما انهارت منظومته تمامًا، وأصبح فى مهب الريح بعد أن تساقطت أوراق مصداقيته وأصبحت أثرًا بعد عين.
يمكننى أن أدلك على بداية الطريق لتتأمل ما يحدث.
فالهجوم لا ينقطع أبدًا، وكأن هناك مهمة مقدسة تم تكليف البعض بها فى حرب لا يمكن أن يخسرها الإعلام المصرى، الذى يحمل فى مكوناته عوامل بقائه واستمراره وتجديد نفسه ذاتيًا، حتى لو تعرض لأزمات طاحنة، وحتى لو وصلت كراهيته التى لا يخفيها البعض، بل يصرون على إظهارها، إلى مرحلة المؤامرة عليه وسحب البساط من تحت قدميه.
من السهل علينا رسم خريطة الكارهين للإعلام المصرى فى فئات محددة.
الفئة الأولى هى جماعة الإخوان، حيث تقوم لجانها الإلكترونية بتشويه الإعلاميين المصريين وكل ما يصدر عنهم، يفعلون ذلك بهدف محدد وهو تقويض قوته الموجهة ضدهم وضد جماعتهم، فهو بالنسبة لهم سلاح تستخدمه الدولة المصرية لفضح الجماعة وكشف مخططاتها بشكل كامل، لذلك يخططون لقطع الطريق عليه، معتمدين على أن تشويهه والإساءة إليه وإطلاق الشائعات حول العاملين فيه، يمكن أن يجعلهم بلا مصداقية فينصرف عنهم الناس، وبذلك تخلو لهم الساحة تمامًا.
الفئة الثانية لا تبتعد عن الفئة الأولى كثيرًا، وأقصد بهم الذين ظهروا على المنصات الإعلامية المعادية التى تنطلق من قطر وتركيا، وهى منصات تعمل تحت مظلة الجماعة حتى لو أنكر بعضهم ذلك، وهؤلاء يركزون بشكل كبير على ممارسات الإعلام المصرى، وما يقوم به الإعلاميون، قاصدين إظهار ما يعتقدون أنه تناقضات أو أخطاء، هذا غير اتهام الإعلاميين بأنهم ينافقون النظام المصرى ويعملون على تحقيق أهدافه.
ورغم أن هذه ليست تهمة على الإطلاق، إلا أنهم يصيغون كلامهم بصيغ تؤثر على تلقى المشاهدين، الذين ينالون بدورهم من الإعلاميين المصريين، ويصنفونهم بشكل مريب ومغرض، وللأسف الشديد وقع الإعلاميون فى الفخ، فبدأوا فى الدفاع عن أنفسهم رغم أنهم فى الأساس ليسوا متهمين بشىء مشين.
الفئة الثالثة هى مجموعة من المواقع الإلكترونية، التى لها أهدافها وأجنداتها الخاصة، ومنها مدى مصر والأخبار واللبنانية وعربى ٢١، وهى المواقع التى دأبت على الاهتمام بشئون الإعلام المصرى أكثر من اهتمامها بأى شىء آخر، مهما بلغت خطورته.
تختلف هذه المواقع فى مصادر تمويلها وتتفق فى هدفها الذى هو هدم معبد الإعلام المصرى على رأس من يعملون فيه، والغريب أنها لا تدخل فى نقاش مع ما يطرحه الإعلام المصرى من أفكار ومناقشات، ولكنها تتعمد البحث تحت جلده، شاغلة نفسها بمَن بقى ومَن رحل، ومَن يدير المنظومة وماذا يفعلون؟ وهى محاولة لصنع حالة من القلق، الهدف منها نزع الثقة التامة فى استقرار الأوضاع، وهو ما ينعكس سلبًا بالطبع على كل عناصر المنظومة.
لقد كان غريبًا مثلًا حالة الاهتمام فى الداخل والخارج بحركة تنقلات المذيعين، الذين يعملون فى قنوات الشركة المتحدة، وكأننا أمام حركة كونية، رغم أن ما يجرى على الأرض أمر عادى جدًا، فأن ينتقل مذيع من قناة إلى قناة أخرى، أو أن يعود مذيع أو مذيعة إلى العمل الإعلامى مرة أخرى، فهذا لا يخرج عن كونه مجرد خبر عادى، يمكن تناوله بالطريقة نفسها التى نتعامل بها مع الأخبار الروتينية، لكن ولأن هناك حالة من الترصد العنيف لكل ما يحدث فى الإعلام المصرى، فقد تحولت حركة المذيعين إلى ضجة وصخب وكأننا أمام تشكيل وزارى عنيف.
الفئة الرابعة ينطوى تحت مظلتها هؤلاء الذين أضيروا من إعادة رسم خريطة الإعلام فى السنوات الأخيرة، وهى الخريطة التى كان يسعى من خلالها القائمون على الإعلام إلى ضبط أدائه، وكان طبيعيًا أن يكون لرسم الخريطة من جديد ضحايا.
المفاجأة أن هؤلاء تحولوا إلى أساتذة ونقاد للحالة الإعلامية العامة، فما داموا خارج الصورة فهم الأفضل، ومن يعملون هم أسوأ العناصر، رغم أنك عندما تتأمل أسماء الذين ينتقدون الإعلام، انطلاقًا من أرضية مصلحتهم المباشرة، فلن تجد من بينهم اسمًا لامعًا، ولا صاحب تجربة، لكنهم للأسف الشديد يعتقدون فى أنفسهم شيئًا لا يراه غيرهم.
هؤلاء يثيرون كثيرًا من الغبار حول أداء الإعلام المصرى، فلا شىء يعجبهم، ولا أحد ينال تقديرهم، كل ما يحدث خطأ، والغريب أن هؤلاء لو تمت الإشارة إليهم ليدخلوا المنظومة الإعلامية فلن يترددوا، والغريب أنهم يتحولون بشكل كامل بمجرد تحقيق مصالحهم.
هجومهم يتحول إلى مدح.
وانتقادهم يصبح إشادة.
والذين يرجمونهم بألسنتهم سبًا وقذفًا وتشويهًا يصبحون أصدقاء.
لا أريد أن أعدد نماذج من هذه الفئة، فهم فى الحقيقة أقل من أن ألتفت إليهم، فهم أصحاب نفوس مريضة، يسعون خلف تحقيق مصالح ضيقة جدًا، ولا مانع لديهم بعد أن يحصلوا على ما يريدون من خلع ملابسهم وبشكل كامل.
لا يمكن أن أتجاهل أن هناك فئة لديها رؤية ورأى وموقف، يملك أصحابها تصورًا ينتقدون على أساسه الإعلام المصرى، وهؤلاء يمكن أن نستمع منهم، لأنهم يخافون بالفعل على المهنة، ويخشون عليها من السقوط أو الانحراف عن مقاصدها الأساسية.
لكن ما يحيرنى بالفعل هؤلاء الذين يعملون فى منظومة الإعلام المصرى ويتولون مناصب مهمة فيها، لا تقل عن رؤساء مجالس إدارات مؤسسات وصحف حكومية وقيادات فى قنوات فضائية وكُتّاب أعمدة رأى، وتراهم يُحملون على الإعلام المصرى بعنف، ولا أجد لهؤلاء مبررًا، إلا أنهم يخشون فقدان ما هم فيه، ولذلك يأتى انتقادهم عادة فى جلسات مغلقة ولا يظهر إلى العلن.
يمكن أن تتمسك بكلماتى وتمنعها من التدفق، وتسألنى عما أراه يعيب الإعلام المصرى أو يفتقده، أم أننى أرى أن كل شىء إيجابى تمامًا، ولا شىء ينقص المنظومة، التى من المفروض أن تكون رأس الحربة فى المعارك الكبرى التى تخوضها مصر الآن؟
سأقول لكم وبمنتهى الصراحة إن هناك عيوبًا كثيرة فى الإعلام المصرى، وهناك أزمات ومشاكل طاحنة، لكنها بالنسبة لى العرَض وليس المرض.
قل ما شئت عن أزمات الإعلام المصرى ومشاكله.
تحدث عن مستوى المضمون الذى يقدمه كما تشاء.
صُب عليه جام غضبك.
تعرّض للمعالجات التى يقدمها كما ترغب.
ارفضها كلها.
اجعل من نفسك مُنظرًا على من يقومون بها.
لكن تأكد وأنت تفعل ذلك كله أنك تبتعد عن المشكلة الأساسية.
وقبل أن تسألنى عنها، سأقول لك إن الإعلام المصرى، وخلال السنوات التى أعقبت ثورة ٢٥ يناير، أصيب فى عموده الفقرى، وأقصد تحديدًا اقتصادياته، نحن نعانى بالفعل من أزمة فى اقتصاديات الإعلام.
نعترف بأننا نعمل فى مهنة من الصعب أن تربح ذاتيًا، فلو أننا اعتمدنا على بيع نسخ الصحف المطبوعة فلن تربح الصحف مهما فعلت، بل ستحقق خسائر فادحة، هذا فى الوقت الذى تحتاج فيه المادة الصحفية التى ننتجها، إذا أردنا لها تميزًا، تكاليف ضخمة.
وإذا حاولت أن تتأمل حالة المواقع الإلكترونية التى يستهلكها الجمهور مجانًا، فلم تحقق أى ربح فى مقابل التكلفة الكبيرة التى يمكن أن تصل إلى درجة الاستنزاف.
القنوات التليفزيونية هى الأخرى تتكلف الملايين، يحتاج إنتاجها إلى مغارة على بابا.
وتخيل أنك تجلس على مقعد مريح لتشاهد برنامجًا يتكلف الملايين، وبصرف النظر عن إعجابك به أو انصرافك عنه، فإنك لا تسهم إلا بالقدر اليسير فى دعمه.
يحتاج الإعلام إلى مصادر تمويل.
دعك من عائدات التوزيع للصحف، فكل نسخة تباع تحقق خسارة واضحة للمؤسسات الصحفية، فتكلفة النسخة تزيد فى الغالب على سعر بيعها بكثير.
إننا نتحدث عن منظومة الإعلانات التى تأثرت بشكل كبير وتراجعت بشكل أكبر لأسباب اقتصادية لا تخفى على أحد، ونتحدث عن الدعم المباشر الذى تتلقاه وسائل الإعلام المختلفة، وهو دعم لا يمكن أن يتنكر له أحد من مجموعات المصالح، سواء كانت هذه داخل السلطة أو خارجها، وهى مجموعات فى الغالب لا تدعم الإعلام إلا بشروطها، وهى فى الغالب أيضًا شروط صعبة، تخرج أحيانًا بالإعلام عن أهدافه المجردة.
ولو استنكرتَ علىّ ما أقوله، سأقول لك إن هذه هى الحقيقة العارية للأسف الشديد، وهى حقيقة يجب أن نواجهها دون خجل.
حل أزمات الإعلام من وجهة نظرى أن يتم إصلاح منظومة اقتصادياته فتعود إلى سيرتها الأولى، وهو ما يجب أن يتوافق عليه الجميع، وأقصد بالجميع كل من يهتم بشأن الإعلام سواء من داخل النظام السياسى أو خارجه، وأعتقد أن الدولة فطنت إلى هذا مبكرًا، وكان طبيعيًا أن تتدخل وتعيد هيكلة ما تراه مهترئًا، فى ظل انسحاب القطاع الخاص أو ارتضائه بأن يلعب دورًا هامشيًا، رغم أننى أعترف أيضًا بأن القطاع الخاص وجد نفسه مجبرًا فى بعض الحالات على التراجع.
من حقك أن تسأل هنا:
وما الذى أجبر الدولة على التدخل والعمل بنفسها فى إصلاح منظومة اقتصاديات الإعلام؟
ما الذى جعلها تتحمل كل هذا العبء المالى فى مساندة الإعلام وحمايته من السقوط النهائى؟
ما الذى جعلها تضخ مليارات الجنيهات حتى تحافظ على بقاء الإعلام ومقاومة فنائه؟
وفى نفس الوقت من حقك أن تسأل عن الأسباب التى دعت القطاع الخاص إلى الانسحاب تدريجيًا من العمل الإعلامى؟
وهل كان هذا الانسحاب باختياره أم أُجبر عليه إجبارًا لم يكن له فيه خيار؟
الإجابة عن السؤال الأخير يمكن أن تقودنا إلى الإجابة عن الأسئلة التى سبقته.
لقد كان بقاء القطاع الخاص بقوته الكاملة فى المجال الإعلامى مرهونًا بتحقيق أهداف ومصالح أصحابه، وهى مصالح صحيح أنها لا تتناقض مع مصالح الدولة المصرية، لكنها فى العموم لا تتوافق معها بشكل كامل، ولأن مصر دخلت بعد ٣٠ يونيو مساحات من المعارك تستلزم توحيد كل الجهود، فكان طبيعيًا أن ينسحب القطاع الخاص، لأن لديه أولوياته.
ألحت الدولة المصرية عبر مستويات مختلفة من مسئوليها على صورة الإعلام الذى تحتاجه فى سياق مواجهاتها ومعاركها، وهى العليمة بها وبمتطلباتها.
تحدثت الدولة عن الإعلام الذى تحتاجه وليس الإعلام الذى تريده، والفارق كبير جدًا.
فعندما تتحدث عن الإعلام الذى تحتاجه فهى تتحدث عن متطلبات مرحلة، بمجرد انتهائها يمكن أن تدخل بالإعلام إلى مرحلة جديدة، لكنها إذا تحدثت عن الإعلام الذى تريده فإننا أمام صياغة ثابتة وأبدية تعبّر عن رؤية دائمة وليست نابعة من احتياج مؤقت، مرهون بظروف طارئة.
رأى أباطرة القطاع الخاص، الذين اعتصروا الإعلام المصرى خلال السنوات الأخيرة من عصر مبارك، والسنوات التى أعقبت ثورة ٢٥ يناير، أن الزمن ليس زمنهم، حاولوا أن يقاوموا فى البداية، لكنهم سرعان ما استسلموا، ولأنهم لا يريدون الخروج بلا مكاسب، فقد حلا لبعضهم تصوير أنفسهم على أنهم ضحايا.
خلو الساحة جعل الدولة تتدخل وبقوة وعبر مسارات مختلفة.
يعتقد البعض أن تدخل الدولة فى الإعلام تم بشكل عشوائى، وهو الأمر الذى يخالف المنطق ويجافى الواقع ويخاصم أولويات رجال الدولة، الذين قرروا مبكرًا أنه من الضرورى تقويم الإعلام الذى تعاملوا معه على أنه سلاح مهم فى معارك الدولة المصرية الثلاث «مواجهة الإرهاب- التنمية- الوعى» وهى معارك متصلة وليست منفصلة على أى حال.
تدخل الدولة فى الإعلام تم على ثلاث مراحل.
المرحلة الأولى هى التفاهم، وخلالها جرت جلسات كثيرة، سواء مع الإعلاميين من مختلف الاتجاهات، أو مع أصحاب وسائل الإعلام على اختلاف أمزجتهم ومشاربهم ومصالحهم أيضًا، ورغم أن المناقشات التى شهدتها هذه الجلسات كان الهدف منها الوصول إلى صيغة من التعاون الجاد، إلا أن الإعلاميين اعتصموا بما حققوه من مكاسب، ولم يبدُ منهم أن هناك أى استعداد للوصول إلى صيغة من التفاهم.
خلال هذه المرحلة كان ظهور الإعلاميين إلى جوار الرئيس واضحًا، ومشاركتهم فى الفعاليات الرئاسية ملحوظًا، بل كان الإعلاميون يتسابقون على درجة القرب من الرئيس فى الصور الرسمية، بما يوحى بأنهم رجاله، لكن المفاجأة أن هؤلاء الإعلاميين أنفسهم كانوا يخرجون عن الخط العام للدولة، ويوجهون لها انتقادات عنيفة، رغم أن المؤسسات الرسمية كانت بالكاد تحاول التعافى، وهو ما جعلها فى حاجة إلى المساندة لا الحصار بالنقد والهجوم.
هذه الحالة صنعت فجوة وجفوة بين الإعلاميين والدولة، وكان من الطبيعى أن يصبح كل منهما فى طريق.
المرحلة الثانية كانت الاستيعاب، وتم خلالها الانفتاح على الجميع فى محاولة لصناعة جيل من الإعلاميين، يستطيع أن يقود المشهد، وهو السبب وراء أسماء كثيرة على المسرح الإعلامى، بعضها أثبت جدارة والبعض الآخر سقط فى منتصف الطريق فلم يعد له وجود، وخلال هذه المرحلة بدأ التلاسن بين القادمين الجدد إلى الصورة، والذين خرجوا منها، وكان هذا طبيعيًا.
هذا التلاسن تحديدًا كان وراء صناعة صورة سلبية جدًا عن الإعلاميين المصريين، فلا أحد يهتم بشىء إلا بالمصلحة الخاصة والمباشرة، أما ما يجب أن يفعله الإعلام ويقدمه فى معارك الدولة الأساسية فلا مكان له ولا تواجد.
كان طبيعيًا أن ننتقل إلى المرحلة الثالثة، وهى الاحتواء التام، فالإعلام فى حاجة لمن يقف فى ظهره وإلا انهار تمامًا، ويشهد العالمون بخفايا الملف أن الدولة تحملت العناء الأكبر والمسئولية العظمى ليبقى الإعلام على قيد الحياة، بعد أن تراجعت إيراداته الذاتية واختفى ممولوه المباشرون.
من العبث الحديث عن ملكية الدولة المباشرة للصحف أو القنوات الفضائية، الحل كان فى تأسيس شركات خاصة دون تدخل فى شئونها من قريب أو بعيد، على أن تتولى هذه الشركات شئون الإعلام والقيام بالمهمة الأساسية فى إعادة صياغته من جديد، وهى المهمة التى استغرقت وقتًا طال بسبب التعقيدات التى أصبح عليها المشهد الإعلامى، وهى تعقيدات لم تكن مالية فقط، ولكنها كانت مهنية أيضًا.
فى المساحة التى تتقاطع فيها الدولة مع الإعلام، يمكن أن نقول إن الدولة تحتاج لمن يفكر معها، لمن يدخل معها فى حوار ونقاش عما يجب أن يكون، لكن الأزمة أن الدولة ممثلة فى مسئوليها وجدت نفسها أمام أزمة، فهى مطلوب منها أن تنقذ الإعلام ماليًا، وأن تفكر له أيضًا، وهى الصيغة التى استسلم لها إعلاميون كثيرون، فأصبحوا ينتظرون التصورات التى تستقر عليها الدولة دون أن يضيفوا أو يفكروا أو يقدموا معالجات خاصة بهم، وأعتقد أن هذا كان سر التشابه الذى بدا به الإعلام المصرى، وهو التشابه الذى انتقده الجميع، سواء كانوا المسئولين فى الدولة أو المسئولين عن الهيئات الإعلامية، دون أن يبحث أحد عن السبب فى ذلك.
الآن من المناسب أن تسأل كيف تعاملت الدولة مع هذا الملف؟
كانت الفكرة أمامى لكنها فى حاجة إلى بلورة، كنت أرى حالة من الهندسة المقصودة فى إعادة ترتيب البيت الإعلامى، لكننى لم أستقر على تسميتها، حتى وقع فى يدى كتاب الزميل أحمد المسلمانى «الهندسة السياسية»، الذى صدر فى العام ٢٠١٨ عن الدار المصرية اللبنانية.
يُعرّف المسلمانى الهندسة السياسية بأنها علم بناء الدولة عبر تخطيط شامل للسلطة والمجتمع، بما يؤدى إلى انتقال الدولة من التخلف إلى التقدم، أو من التقدم إلى التقدم الأعلى، مع وضع آليات استدامة لعملية التقدم.
تماهيت مع تعريف المسلمانى، ويمكننى أن أقول إن الدولة قامت بعملية هندسة إعلامية، ويمكن تعريف ما جرى بأنه عملية بناء الإعلام عبر تخطيط شامل لاقتصادياته وتوظيف إمكانيات العاملين فيه، بما يؤدى إلى انتقاله من الركود إلى النهوض، أو من النهوض إلى النهوض الأعلى، مع وضع آليات استدامة لعملية النهوض.
لا بد لى من دليل على ما أقوله لك، فليس من المنطقى أن تستسلم لما أذهب إليه هنا دون أن أقدم لك نماذج مما جرى على الأرض، ومؤكد أنك لمسته بنفسك، لكن قد يكون هناك ما حال بينك وبين استيضاحه بشكل كامل، بسبب حرب التشويه المطلقة التى خاضها البعض أثناء عملية الهندسة التى كان من الطبيعى أن يكون لها ضحايا.
هل نبدأ بالصحف الورقية؟.. لقد أدركت الدولة أن الصحف الورقية تعيش أزهى عصور أزماتها، هناك انصراف كامل عنها، ولا ينكر أحد أنه كان هناك تفكير فى دمج عدد من المؤسسات الصحفية كطريقة من طرق الحل، بل وُضعت لذلك خطط محددة، لكن تم الانحياز إلى أن الحل هو تقليل الفجوة بين مصروفات هذه الصحف وإيراداتها كخطوة أولى للحل، وبعد ذلك يتم البحث عن طريقة يتم بها وصول هذه الصحف إلى أن تغطى تكلفتها حتى لا تصبح عبئًا على مؤسساتها، وأعتقد أن مسألة تقليل الفجوة بين الإنفاق والإيراد بدأت تؤتى ثمارها فى بعض الصحف، بل بدأت بعض الصحف تحقق أرباحًا.
كانت هناك معضلة أخرى، فالحفاظ على الصحف والمؤسسات التى تصدرها لا يتنافى مع تحقيق الأثر المطلوب، وهو ما جعل من الضرورى التوجه إلى تعظيم الفائدة من الإصدارات الإلكترونية، وهو ما حدث كخطوة أولى فى تطوير بوابة مؤسسة الأهرام الإلكترونية، وأعتقد أن هناك خطوات كثيرة قادمة فى هذا الملف، فما حدث فى الأهرام مجرد خطوة، وليس نهاية المطاف.
تطوير البوابات الإلكترونية ليس من أجل إنتاج محتوى إعلامى ينافس المحتوى العالمى فقط، ولكن الفكرة قامت على كيفية تجاوب هذه البوابات مع المحتوى المنشور عبر منصات التواصل الاجتماعى والتأثير فيها، على اعتبار أن هذه المنصات أصبحت ذات تأثير واضح، وتمتلك دورًا كبيرًا فى صياغة الرأى العام.
الدراما التليفزيونية لم تكن بعيدة عن عملية الهندسة الإعلامية.
لقد شاهدنا خلال السنوات الماضية حالة من الانفلات الكبير فى الإنتاج الدرامى، ضع جانبًا العدد الهائل من المسلسلات التى كان يتشابه بعضها فى الموضوعات والأبطال والأحداث، للدرجة التى جعلت المشاهدين لا يركزون كثيرًا فى أحداثها ولا تطور خطوطها الدرامية، بل حدث ما هو أكثر، فلم يعد المشاهدون قادرين على حفظ أسماء المسلسلات، وكان طبيعيًا أن ينعكس هذا على وضعية الدراما المصرية فى منظومة الدراما العربية، فتفوقت عليها الدراما العربية، وأصبح الجمهور منصرفًا بالكلية إلى الدراما التركية التى أصبحت قدرًا يطارد المصريين فى البيوت.
وفى الوقت الذى كانت تقدم فيه مصر كل يوم شهداء فى ساحة المواجهة مع الإرهاب، وجدنا الدراما منصرفة تمامًا إلى معالجة موضوعات وقضايا أبطالها من البلطجية وتجار المخدرات وتجار السلاح والراقصات، ولم يكن لدينا مسلسل واحد فيه خط درامى واحد لقصة شهيد.
تم التنبه لذلك، فأصبحت لدينا مسلسلات تعكس الواقع، ورأينا قصة الشهيد فى مسلسل «نسر الصعيد»، وتابعنا فى مسلسل «كلبش» جانبًا من المواجهة مع الإرهاب، وجاء فيلم «الممر» ليعكس حالة من الفخر القومى، تم تتويجها فى احتفال القوات المسلحة بعيد ٦ أكتوبر خلال الندوة التثقيفية الحادية والثلاثين.
فى هذه الندوة احتفى الرئيس عبدالفتاح السيسى شخصيًا بأبطال الفيلم، وطالب بشكل واضح بأن تكون لدينا أفلام ومسلسلات على هذه الشاكلة، وكان طبيعيًا أن تظهر مشروعات مماثلة، مثل مسلسل «الاختيار» الذى يوثق قصة بطل الصاعقة أحمد منسى فى مواجهة قصة الإرهابى هشام عشماوى، وتظهر فكرة فيلم يجسد حياة بطل الصاعقة المصرى الأسطورى إبراهيم الرفاعى.
لم يكن تدخل الدولة فى الدراما إذن بغرض السيطرة عليها أو إقصاء منتجين محددين كما تخيل البعض، ولكن كان لا بد من ضبط الأداء الدرامى، وهو ما لم يعجب بعض صناع الدراما الذين تعاملوا مع الأمر على أنه نوع من التدخل العنيف فى عملهم، وكان طبيعيًا أن يعودوا مرة أخرى إلى العمل، بعد أن أيقنوا أن هناك هدفًا واضحًا جدًا لما يحدث، وبعد أن أيقنوا أيضًا أنهم لن يستطيعوا أن يفرضوا شروطهم على الدولة والمجتمع.
اعتقد البعض أن الدولة تريد أن تنفرد بتحقيق المكاسب، وهو ما انتفى تمامًا، فقد رأينا إهداء مسلسلات للتليفزيون المصرى لم يسهم فى إنتاجها، وكان الهدف من ذلك مساعدته لتحقيق أرباح، كما بدأنا نرى إنتاجًا دراميًا طوال العام، وتحرير المشاهد المصرى من أسر الموسم الدرامى الواحد فى شهر رمضان، فأصبحت هناك مواسم درامية متعددة، بل وجدنا أنفسنا أمام أعمال درامية متميزة مثل مسلسل «أبوالعروسة» الذى أنتجته شركة خاصة، وهو ما يمكننا التعامل معه على أنه نموذج للدراما الاجتماعية الراقية التى التف حولها الناس، للدرجة التى عاد معها نجوم المسلسلات إلى حصد جماهيرية شعبية هائلة، وهو ما حدث تحديدًا مع الفنان سيد رجب، وهو ما كنا نفتقده لسنوات طويلة.
اعتقد البعض أن هناك محاولات لإقصاء ماسبيرو خارج المشهد الإعلامى وهو ما يمكننا نفيه بشكل كامل، لكن الجميع يعرف، وعلى رأسهم العاملون فى ماسبيرو، أن إنهاض المبنى العريق يحتاج إلى مجهود هائل، وقد جرت محاولات كثيرة لانتشاله من الحالة التى وصل إليها، بعضها لم يحقق نجاحًا ملحوظًا، لكننا الآن أمام محاولة جادة من خلال تطوير قنواته، والتعاون معه فى إطلاق قناة رياضية بإمكانيات كبيرة، لتكسر احتكار القنوات الرياضية العربية، وهو ما يصب فى صلب الأمن القومى المصرى.
كان ملحوظًا أيضًا أن عملية الهندسة الإعلامية تقوم على تمكين الشباب، وعندما نراجع الشاشات، سواء الحكومية أو الخاصة، سنجد أنفسنا أمام وجوه جديدة بدأت تشق طريقها وبقوة إلى الناس، ومهما اختلفنا حول مستويات أصحابها، فإننا أمام محاولة جادة لضخ دماء جديدة فى شرايين الإعلام المصرى التى تيبست، وليس مطلوبًا منا إلا أن نمنح هؤلاء الفرصة كاملة لأن يعملوا ويخوضوا تجاربهم الخاصة، ليس علينا إلا أن ننتظر، وأعتقد أن الانتظار لن يطول.
لقد تعامل البعض باستخفاف مع إطلاق منصة «واتش إت»، وهى المنصة التى تم الإعلان عن هدفها بشكل واضح وهو الحفاظ على التراث المصرى من السرقة والضياع وإعادة ترميمه وتجميعه، وقد بدأت المنصة فى ذلك بالتعاون مع الهيئة الوطنية للإعلام ومدينة الإنتاج الإعلامى.
لقد تعرض التراث المصرى لحالات من السرقة والقرصنة التى كان يشهدها الجميع دون أن يعترض على ذلك أحد، وإذا راجعنا دفتر أحوال ماسبيرو فسنجد وقائع كثيرة تم خلالها ضبط اللصوص الذين كانوا يستولون على الأعمال الدرامية والبرامج من مكتبة التليفزيون لصالح قنوات عربية ومصرية خاصة، والله وحده يعلم الوقائع التى تمت دون أن يتم ضبط من تورطوا فيها.
لقد كان تراث ماسبيرو كمًا مهملًا لا يستفيد منه أحد، حتى جاءت منصة «واتش إت» لتستفيد من هذا التراث بتوثيقه، كثروة مهمة تمثل قوة معنوية لمصر، وبعرضه وتحقيق أرباح هائلة منه، أى أننا أمام عملية استثمار واضحة سوف يربح منها الجميع، وتخيلوا لو أننا وقفنا مكتوفى الأيدى أكثر من ذلك لضاعت علينا ثروات هائلة نملكها دون أن نحقق منها أدنى استفادة.
هذا جانب واحد من جوانب عمل المنصة الرقمية التى لم تحظ باستقبال جيد من الرأى العام المصرى، بسبب حالة التشويه التى تعرضت لها، وهى حالة مفهومة المقاصد والأهداف.
الجانب الأهم والأكبر أن هذه المنصة ستتيح عرض أعمال درامية وفنية ووثائقية خاصة بها، وهو ما سيمكنها من منافسة المنصات العالمية التى بدأت تغزو الفضاء الإلكترونى، وهى منافسة فى النهاية ستتم باسم مصر، ولن يحتكرها أحد لاسمه وحده، فالكل يعمل الآن تحت المظلة الكبرى التى اسمها مصر.
المنافسة وحدها ليست الهدف، فإنتاج أعمال خاصة للعرض على «واتش إت» سيتيح تمكين حالة إبداعية خاصة جدًا، يحتاج إليها المبدعون المصريون فى مختلف المجالات، وأعتقد أن هذا أمر مطلوب فى ظل المنافسة على الأدوار التى تخطط دول أخرى إلى حجزها قاصدة حصار مصر على كل المستويات.
يتجاهل البعض أن المنظومة الإعلامية فى مصر هى التى نجحت وبشكل كامل فى تنظيم أربع حفلات «افتتاح وختام» لبطولتى كأس الأمم الإفريقية وكأس الأمم الإفريقية للشباب تحت ٢٣ سنة، ورغم أننا شاهدنا بأعيننا ما حدث، فإننا مررنا مرورًا عابرًا على ما حدث، وكأننا لسنا أمام إنجاز حقيقى على الأرض، وتطور مشهود يمكن البناء عليه.
تدخل الدولة لم يقتصر على التماس مع المحتوى والاقتصاديات التى هى العمود الفقرى لصناعة الإعلام، ولكنها اقتربت أيضًا من منظومة التشريعات التى تحكم العملية الإعلامية التى لا يجب أن تتحرك فى الفراغ، وهى التشريعات التى لاقت مقاومة كبيرة، وهو أمر طبيعى جدًا، لكنها وبتأمل عابر سنجدها فى مصلحة العملية الإعلامية وبشكل كامل.
هنا لا بد من سؤال، ولا بد أن تكون الإجابة عنه واضحة ومقتحمة وهو: إذا كانت الهندسة الإعلامية التى قامت بها وعليها الدولة حققت نجاحات فعلية على الأرض، فلماذا كل هذا الهجوم، ولماذا كل هذا الرفض، ولماذا كل هذا التشويه؟
هنا لا بد أن نعود مرة أخرى إلى بداية حديثنا، فالهجوم الذى يواجهه الإعلام المصرى فى معظمه ليس موضوعيًا ولا منطقيًا، بل يقوم به أصحاب المصالح والمضارون، وهو أمر طبيعى، وإن كان لا يعنى عدم الالتفات إليه، فمن الضرورى استعراضه ومناقشته والاستجابة للموضوعى منه، حتى لو أصحابه ليسوا موضوعيين.
وهذه هى كل الحكاية.
قبل أن أمضى لا بد أن تستوقفنى وتسألنى عن حالة حرية الإعلام على هامش تطبيق الهندسة الإعلامية؟
سأقول لك كان طبيعيًا أن تتأثر حرية الإعلام وحيويته وفاعليته، لكن هذا أمر وقتى سرعان ما سيزول ويتبدد أثره، فلا يمكن للهندسة الإعلامية أن تؤثر أو تؤتى ثمارها من غير مناخ حر تمامًا، لكن يظل السؤال: عن أى حرية إعلامية نتحدث؟.
حدثونى عن الحرية التى هى أداة لبناء الدولة المصرية، فأنا معها بلا حدود.
أما الحرية التى يريد أصحابها تخريب كل شىء من خلالها فأنا ضدها.. وإلى الأبد.الدولة تحملت العناء الأكبر ليبقى الإعلام على قيد الحياة بعد أن تراجعت إيراداته الذاتية واختفى ممولوه المباشرون
الدولة عملت على بناء الإعلام عبر تخطيط شامل لاقتصادياته وتوظيف إمكانيات العاملين به بما يؤدى إلى نهوضه
الرؤية تقوم على تقليل الفجوة بين مصروفات وإيرادات الصحف وتعظيم الاستفادة من الإصدارات الإلكترونية
الدولة تدخلت لضبط الأداء الدرامى وليس للسيطرة أو تحقيق مكاسب مادية.. وهى تعمل منذ فترة على النهوض بـ«ماسبيرو»
هناك محاولة جادة لضخ دماء جديدة فى شرايين الإعلام المصرى وتمكين الشباب بشكل كبير
منصة «واتش إت» تهدف لحماية التراث المصرى من عمليات السطو والقرصنة لكنها تعرضت لمحاولة تشويه كاملة
الهجوم على الإعلام المصرى ليس موضوعيًا أو منطقيًا بل يقوم به أصحاب المصالح والمضارون من عمليات ضبط الأداء
لم يتوقف الهجوم على الإعلام المصرى، خلال السنوات الماضية، يومًا واحدًا، صباح كل يوم يتعرض العاملون فيه إلى حملات تشويه وتنظير، وكأنه المسئول عن كل خطايا الأرض مجتمعة، والغريب أن حملات الهدم لا تنطلق من جبهة واحدة، ولكن كل الجبهات اجتمعت عليه، فى حالة أقرب إلى الهستيريا التى لا علاج لها ولا حل.
وقد تسأل ببراءة، لا تخلو من بعض الخبث، عن هذه الحالة التى لم يشهدها الإعلام المصرى فى تاريخه، حتى بعد هزيمة ٦٧، عندما انهارت منظومته تمامًا، وأصبح فى مهب الريح بعد أن تساقطت أوراق مصداقيته وأصبحت أثرًا بعد عين.
يمكننى أن أدلك على بداية الطريق لتتأمل ما يحدث.
فالهجوم لا ينقطع أبدًا، وكأن هناك مهمة مقدسة تم تكليف البعض بها فى حرب لا يمكن أن يخسرها الإعلام المصرى، الذى يحمل فى مكوناته عوامل بقائه واستمراره وتجديد نفسه ذاتيًا، حتى لو تعرض لأزمات طاحنة، وحتى لو وصلت كراهيته التى لا يخفيها البعض، بل يصرون على إظهارها، إلى مرحلة المؤامرة عليه وسحب البساط من تحت قدميه.
من السهل علينا رسم خريطة الكارهين للإعلام المصرى فى فئات محددة.
الفئة الأولى هى جماعة الإخوان، حيث تقوم لجانها الإلكترونية بتشويه الإعلاميين المصريين وكل ما يصدر عنهم، يفعلون ذلك بهدف محدد وهو تقويض قوته الموجهة ضدهم وضد جماعتهم، فهو بالنسبة لهم سلاح تستخدمه الدولة المصرية لفضح الجماعة وكشف مخططاتها بشكل كامل، لذلك يخططون لقطع الطريق عليه، معتمدين على أن تشويهه والإساءة إليه وإطلاق الشائعات حول العاملين فيه، يمكن أن يجعلهم بلا مصداقية فينصرف عنهم الناس، وبذلك تخلو لهم الساحة تمامًا.
الفئة الثانية لا تبتعد عن الفئة الأولى كثيرًا، وأقصد بهم الذين ظهروا على المنصات الإعلامية المعادية التى تنطلق من قطر وتركيا، وهى منصات تعمل تحت مظلة الجماعة حتى لو أنكر بعضهم ذلك، وهؤلاء يركزون بشكل كبير على ممارسات الإعلام المصرى، وما يقوم به الإعلاميون، قاصدين إظهار ما يعتقدون أنه تناقضات أو أخطاء، هذا غير اتهام الإعلاميين بأنهم ينافقون النظام المصرى ويعملون على تحقيق أهدافه.
ورغم أن هذه ليست تهمة على الإطلاق، إلا أنهم يصيغون كلامهم بصيغ تؤثر على تلقى المشاهدين، الذين ينالون بدورهم من الإعلاميين المصريين، ويصنفونهم بشكل مريب ومغرض، وللأسف الشديد وقع الإعلاميون فى الفخ، فبدأوا فى الدفاع عن أنفسهم رغم أنهم فى الأساس ليسوا متهمين بشىء مشين.
الفئة الثالثة هى مجموعة من المواقع الإلكترونية، التى لها أهدافها وأجنداتها الخاصة، ومنها مدى مصر والأخبار واللبنانية وعربى ٢١، وهى المواقع التى دأبت على الاهتمام بشئون الإعلام المصرى أكثر من اهتمامها بأى شىء آخر، مهما بلغت خطورته.
تختلف هذه المواقع فى مصادر تمويلها وتتفق فى هدفها الذى هو هدم معبد الإعلام المصرى على رأس من يعملون فيه، والغريب أنها لا تدخل فى نقاش مع ما يطرحه الإعلام المصرى من أفكار ومناقشات، ولكنها تتعمد البحث تحت جلده، شاغلة نفسها بمَن بقى ومَن رحل، ومَن يدير المنظومة وماذا يفعلون؟ وهى محاولة لصنع حالة من القلق، الهدف منها نزع الثقة التامة فى استقرار الأوضاع، وهو ما ينعكس سلبًا بالطبع على كل عناصر المنظومة.
لقد كان غريبًا مثلًا حالة الاهتمام فى الداخل والخارج بحركة تنقلات المذيعين، الذين يعملون فى قنوات الشركة المتحدة، وكأننا أمام حركة كونية، رغم أن ما يجرى على الأرض أمر عادى جدًا، فأن ينتقل مذيع من قناة إلى قناة أخرى، أو أن يعود مذيع أو مذيعة إلى العمل الإعلامى مرة أخرى، فهذا لا يخرج عن كونه مجرد خبر عادى، يمكن تناوله بالطريقة نفسها التى نتعامل بها مع الأخبار الروتينية، لكن ولأن هناك حالة من الترصد العنيف لكل ما يحدث فى الإعلام المصرى، فقد تحولت حركة المذيعين إلى ضجة وصخب وكأننا أمام تشكيل وزارى عنيف.
الفئة الرابعة ينطوى تحت مظلتها هؤلاء الذين أضيروا من إعادة رسم خريطة الإعلام فى السنوات الأخيرة، وهى الخريطة التى كان يسعى من خلالها القائمون على الإعلام إلى ضبط أدائه، وكان طبيعيًا أن يكون لرسم الخريطة من جديد ضحايا.
المفاجأة أن هؤلاء تحولوا إلى أساتذة ونقاد للحالة الإعلامية العامة، فما داموا خارج الصورة فهم الأفضل، ومن يعملون هم أسوأ العناصر، رغم أنك عندما تتأمل أسماء الذين ينتقدون الإعلام، انطلاقًا من أرضية مصلحتهم المباشرة، فلن تجد من بينهم اسمًا لامعًا، ولا صاحب تجربة، لكنهم للأسف الشديد يعتقدون فى أنفسهم شيئًا لا يراه غيرهم.
هؤلاء يثيرون كثيرًا من الغبار حول أداء الإعلام المصرى، فلا شىء يعجبهم، ولا أحد ينال تقديرهم، كل ما يحدث خطأ، والغريب أن هؤلاء لو تمت الإشارة إليهم ليدخلوا المنظومة الإعلامية فلن يترددوا، والغريب أنهم يتحولون بشكل كامل بمجرد تحقيق مصالحهم.
هجومهم يتحول إلى مدح.
وانتقادهم يصبح إشادة.
والذين يرجمونهم بألسنتهم سبًا وقذفًا وتشويهًا يصبحون أصدقاء.
لا أريد أن أعدد نماذج من هذه الفئة، فهم فى الحقيقة أقل من أن ألتفت إليهم، فهم أصحاب نفوس مريضة، يسعون خلف تحقيق مصالح ضيقة جدًا، ولا مانع لديهم بعد أن يحصلوا على ما يريدون من خلع ملابسهم وبشكل كامل.
لا يمكن أن أتجاهل أن هناك فئة لديها رؤية ورأى وموقف، يملك أصحابها تصورًا ينتقدون على أساسه الإعلام المصرى، وهؤلاء يمكن أن نستمع منهم، لأنهم يخافون بالفعل على المهنة، ويخشون عليها من السقوط أو الانحراف عن مقاصدها الأساسية.
لكن ما يحيرنى بالفعل هؤلاء الذين يعملون فى منظومة الإعلام المصرى ويتولون مناصب مهمة فيها، لا تقل عن رؤساء مجالس إدارات مؤسسات وصحف حكومية وقيادات فى قنوات فضائية وكُتّاب أعمدة رأى، وتراهم يُحملون على الإعلام المصرى بعنف، ولا أجد لهؤلاء مبررًا، إلا أنهم يخشون فقدان ما هم فيه، ولذلك يأتى انتقادهم عادة فى جلسات مغلقة ولا يظهر إلى العلن.
يمكن أن تتمسك بكلماتى وتمنعها من التدفق، وتسألنى عما أراه يعيب الإعلام المصرى أو يفتقده، أم أننى أرى أن كل شىء إيجابى تمامًا، ولا شىء ينقص المنظومة، التى من المفروض أن تكون رأس الحربة فى المعارك الكبرى التى تخوضها مصر الآن؟
سأقول لكم وبمنتهى الصراحة إن هناك عيوبًا كثيرة فى الإعلام المصرى، وهناك أزمات ومشاكل طاحنة، لكنها بالنسبة لى العرَض وليس المرض.
قل ما شئت عن أزمات الإعلام المصرى ومشاكله.
تحدث عن مستوى المضمون الذى يقدمه كما تشاء.
صُب عليه جام غضبك.
تعرّض للمعالجات التى يقدمها كما ترغب.
ارفضها كلها.
اجعل من نفسك مُنظرًا على من يقومون بها.
لكن تأكد وأنت تفعل ذلك كله أنك تبتعد عن المشكلة الأساسية.
وقبل أن تسألنى عنها، سأقول لك إن الإعلام المصرى، وخلال السنوات التى أعقبت ثورة ٢٥ يناير، أصيب فى عموده الفقرى، وأقصد تحديدًا اقتصادياته، نحن نعانى بالفعل من أزمة فى اقتصاديات الإعلام.
نعترف بأننا نعمل فى مهنة من الصعب أن تربح ذاتيًا، فلو أننا اعتمدنا على بيع نسخ الصحف المطبوعة فلن تربح الصحف مهما فعلت، بل ستحقق خسائر فادحة، هذا فى الوقت الذى تحتاج فيه المادة الصحفية التى ننتجها، إذا أردنا لها تميزًا، تكاليف ضخمة.
وإذا حاولت أن تتأمل حالة المواقع الإلكترونية التى يستهلكها الجمهور مجانًا، فلم تحقق أى ربح فى مقابل التكلفة الكبيرة التى يمكن أن تصل إلى درجة الاستنزاف.
القنوات التليفزيونية هى الأخرى تتكلف الملايين، يحتاج إنتاجها إلى مغارة على بابا.
وتخيل أنك تجلس على مقعد مريح لتشاهد برنامجًا يتكلف الملايين، وبصرف النظر عن إعجابك به أو انصرافك عنه، فإنك لا تسهم إلا بالقدر اليسير فى دعمه.
يحتاج الإعلام إلى مصادر تمويل.
دعك من عائدات التوزيع للصحف، فكل نسخة تباع تحقق خسارة واضحة للمؤسسات الصحفية، فتكلفة النسخة تزيد فى الغالب على سعر بيعها بكثير.
إننا نتحدث عن منظومة الإعلانات التى تأثرت بشكل كبير وتراجعت بشكل أكبر لأسباب اقتصادية لا تخفى على أحد، ونتحدث عن الدعم المباشر الذى تتلقاه وسائل الإعلام المختلفة، وهو دعم لا يمكن أن يتنكر له أحد من مجموعات المصالح، سواء كانت هذه داخل السلطة أو خارجها، وهى مجموعات فى الغالب لا تدعم الإعلام إلا بشروطها، وهى فى الغالب أيضًا شروط صعبة، تخرج أحيانًا بالإعلام عن أهدافه المجردة.
ولو استنكرتَ علىّ ما أقوله، سأقول لك إن هذه هى الحقيقة العارية للأسف الشديد، وهى حقيقة يجب أن نواجهها دون خجل.
حل أزمات الإعلام من وجهة نظرى أن يتم إصلاح منظومة اقتصادياته فتعود إلى سيرتها الأولى، وهو ما يجب أن يتوافق عليه الجميع، وأقصد بالجميع كل من يهتم بشأن الإعلام سواء من داخل النظام السياسى أو خارجه، وأعتقد أن الدولة فطنت إلى هذا مبكرًا، وكان طبيعيًا أن تتدخل وتعيد هيكلة ما تراه مهترئًا، فى ظل انسحاب القطاع الخاص أو ارتضائه بأن يلعب دورًا هامشيًا، رغم أننى أعترف أيضًا بأن القطاع الخاص وجد نفسه مجبرًا فى بعض الحالات على التراجع.
من حقك أن تسأل هنا:
وما الذى أجبر الدولة على التدخل والعمل بنفسها فى إصلاح منظومة اقتصاديات الإعلام؟
ما الذى جعلها تتحمل كل هذا العبء المالى فى مساندة الإعلام وحمايته من السقوط النهائى؟
ما الذى جعلها تضخ مليارات الجنيهات حتى تحافظ على بقاء الإعلام ومقاومة فنائه؟
وفى نفس الوقت من حقك أن تسأل عن الأسباب التى دعت القطاع الخاص إلى الانسحاب تدريجيًا من العمل الإعلامى؟
وهل كان هذا الانسحاب باختياره أم أُجبر عليه إجبارًا لم يكن له فيه خيار؟
الإجابة عن السؤال الأخير يمكن أن تقودنا إلى الإجابة عن الأسئلة التى سبقته.
لقد كان بقاء القطاع الخاص بقوته الكاملة فى المجال الإعلامى مرهونًا بتحقيق أهداف ومصالح أصحابه، وهى مصالح صحيح أنها لا تتناقض مع مصالح الدولة المصرية، لكنها فى العموم لا تتوافق معها بشكل كامل، ولأن مصر دخلت بعد ٣٠ يونيو مساحات من المعارك تستلزم توحيد كل الجهود، فكان طبيعيًا أن ينسحب القطاع الخاص، لأن لديه أولوياته.
ألحت الدولة المصرية عبر مستويات مختلفة من مسئوليها على صورة الإعلام الذى تحتاجه فى سياق مواجهاتها ومعاركها، وهى العليمة بها وبمتطلباتها.
تحدثت الدولة عن الإعلام الذى تحتاجه وليس الإعلام الذى تريده، والفارق كبير جدًا.
فعندما تتحدث عن الإعلام الذى تحتاجه فهى تتحدث عن متطلبات مرحلة، بمجرد انتهائها يمكن أن تدخل بالإعلام إلى مرحلة جديدة، لكنها إذا تحدثت عن الإعلام الذى تريده فإننا أمام صياغة ثابتة وأبدية تعبّر عن رؤية دائمة وليست نابعة من احتياج مؤقت، مرهون بظروف طارئة.
رأى أباطرة القطاع الخاص، الذين اعتصروا الإعلام المصرى خلال السنوات الأخيرة من عصر مبارك، والسنوات التى أعقبت ثورة ٢٥ يناير، أن الزمن ليس زمنهم، حاولوا أن يقاوموا فى البداية، لكنهم سرعان ما استسلموا، ولأنهم لا يريدون الخروج بلا مكاسب، فقد حلا لبعضهم تصوير أنفسهم على أنهم ضحايا.
خلو الساحة جعل الدولة تتدخل وبقوة وعبر مسارات مختلفة.
يعتقد البعض أن تدخل الدولة فى الإعلام تم بشكل عشوائى، وهو الأمر الذى يخالف المنطق ويجافى الواقع ويخاصم أولويات رجال الدولة، الذين قرروا مبكرًا أنه من الضرورى تقويم الإعلام الذى تعاملوا معه على أنه سلاح مهم فى معارك الدولة المصرية الثلاث «مواجهة الإرهاب- التنمية- الوعى» وهى معارك متصلة وليست منفصلة على أى حال.
تدخل الدولة فى الإعلام تم على ثلاث مراحل.
المرحلة الأولى هى التفاهم، وخلالها جرت جلسات كثيرة، سواء مع الإعلاميين من مختلف الاتجاهات، أو مع أصحاب وسائل الإعلام على اختلاف أمزجتهم ومشاربهم ومصالحهم أيضًا، ورغم أن المناقشات التى شهدتها هذه الجلسات كان الهدف منها الوصول إلى صيغة من التعاون الجاد، إلا أن الإعلاميين اعتصموا بما حققوه من مكاسب، ولم يبدُ منهم أن هناك أى استعداد للوصول إلى صيغة من التفاهم.
خلال هذه المرحلة كان ظهور الإعلاميين إلى جوار الرئيس واضحًا، ومشاركتهم فى الفعاليات الرئاسية ملحوظًا، بل كان الإعلاميون يتسابقون على درجة القرب من الرئيس فى الصور الرسمية، بما يوحى بأنهم رجاله، لكن المفاجأة أن هؤلاء الإعلاميين أنفسهم كانوا يخرجون عن الخط العام للدولة، ويوجهون لها انتقادات عنيفة، رغم أن المؤسسات الرسمية كانت بالكاد تحاول التعافى، وهو ما جعلها فى حاجة إلى المساندة لا الحصار بالنقد والهجوم.
هذه الحالة صنعت فجوة وجفوة بين الإعلاميين والدولة، وكان من الطبيعى أن يصبح كل منهما فى طريق.
المرحلة الثانية كانت الاستيعاب، وتم خلالها الانفتاح على الجميع فى محاولة لصناعة جيل من الإعلاميين، يستطيع أن يقود المشهد، وهو السبب وراء أسماء كثيرة على المسرح الإعلامى، بعضها أثبت جدارة والبعض الآخر سقط فى منتصف الطريق فلم يعد له وجود، وخلال هذه المرحلة بدأ التلاسن بين القادمين الجدد إلى الصورة، والذين خرجوا منها، وكان هذا طبيعيًا.
هذا التلاسن تحديدًا كان وراء صناعة صورة سلبية جدًا عن الإعلاميين المصريين، فلا أحد يهتم بشىء إلا بالمصلحة الخاصة والمباشرة، أما ما يجب أن يفعله الإعلام ويقدمه فى معارك الدولة الأساسية فلا مكان له ولا تواجد.
كان طبيعيًا أن ننتقل إلى المرحلة الثالثة، وهى الاحتواء التام، فالإعلام فى حاجة لمن يقف فى ظهره وإلا انهار تمامًا، ويشهد العالمون بخفايا الملف أن الدولة تحملت العناء الأكبر والمسئولية العظمى ليبقى الإعلام على قيد الحياة، بعد أن تراجعت إيراداته الذاتية واختفى ممولوه المباشرون.
من العبث الحديث عن ملكية الدولة المباشرة للصحف أو القنوات الفضائية، الحل كان فى تأسيس شركات خاصة دون تدخل فى شئونها من قريب أو بعيد، على أن تتولى هذه الشركات شئون الإعلام والقيام بالمهمة الأساسية فى إعادة صياغته من جديد، وهى المهمة التى استغرقت وقتًا طال بسبب التعقيدات التى أصبح عليها المشهد الإعلامى، وهى تعقيدات لم تكن مالية فقط، ولكنها كانت مهنية أيضًا.
فى المساحة التى تتقاطع فيها الدولة مع الإعلام، يمكن أن نقول إن الدولة تحتاج لمن يفكر معها، لمن يدخل معها فى حوار ونقاش عما يجب أن يكون، لكن الأزمة أن الدولة ممثلة فى مسئوليها وجدت نفسها أمام أزمة، فهى مطلوب منها أن تنقذ الإعلام ماليًا، وأن تفكر له أيضًا، وهى الصيغة التى استسلم لها إعلاميون كثيرون، فأصبحوا ينتظرون التصورات التى تستقر عليها الدولة دون أن يضيفوا أو يفكروا أو يقدموا معالجات خاصة بهم، وأعتقد أن هذا كان سر التشابه الذى بدا به الإعلام المصرى، وهو التشابه الذى انتقده الجميع، سواء كانوا المسئولين فى الدولة أو المسئولين عن الهيئات الإعلامية، دون أن يبحث أحد عن السبب فى ذلك.
الآن من المناسب أن تسأل كيف تعاملت الدولة مع هذا الملف؟
كانت الفكرة أمامى لكنها فى حاجة إلى بلورة، كنت أرى حالة من الهندسة المقصودة فى إعادة ترتيب البيت الإعلامى، لكننى لم أستقر على تسميتها، حتى وقع فى يدى كتاب الزميل أحمد المسلمانى «الهندسة السياسية»، الذى صدر فى العام ٢٠١٨ عن الدار المصرية اللبنانية.
يُعرّف المسلمانى الهندسة السياسية بأنها علم بناء الدولة عبر تخطيط شامل للسلطة والمجتمع، بما يؤدى إلى انتقال الدولة من التخلف إلى التقدم، أو من التقدم إلى التقدم الأعلى، مع وضع آليات استدامة لعملية التقدم.
تماهيت مع تعريف المسلمانى، ويمكننى أن أقول إن الدولة قامت بعملية هندسة إعلامية، ويمكن تعريف ما جرى بأنه عملية بناء الإعلام عبر تخطيط شامل لاقتصادياته وتوظيف إمكانيات العاملين فيه، بما يؤدى إلى انتقاله من الركود إلى النهوض، أو من النهوض إلى النهوض الأعلى، مع وضع آليات استدامة لعملية النهوض.
لا بد لى من دليل على ما أقوله لك، فليس من المنطقى أن تستسلم لما أذهب إليه هنا دون أن أقدم لك نماذج مما جرى على الأرض، ومؤكد أنك لمسته بنفسك، لكن قد يكون هناك ما حال بينك وبين استيضاحه بشكل كامل، بسبب حرب التشويه المطلقة التى خاضها البعض أثناء عملية الهندسة التى كان من الطبيعى أن يكون لها ضحايا.
هل نبدأ بالصحف الورقية؟.. لقد أدركت الدولة أن الصحف الورقية تعيش أزهى عصور أزماتها، هناك انصراف كامل عنها، ولا ينكر أحد أنه كان هناك تفكير فى دمج عدد من المؤسسات الصحفية كطريقة من طرق الحل، بل وُضعت لذلك خطط محددة، لكن تم الانحياز إلى أن الحل هو تقليل الفجوة بين مصروفات هذه الصحف وإيراداتها كخطوة أولى للحل، وبعد ذلك يتم البحث عن طريقة يتم بها وصول هذه الصحف إلى أن تغطى تكلفتها حتى لا تصبح عبئًا على مؤسساتها، وأعتقد أن مسألة تقليل الفجوة بين الإنفاق والإيراد بدأت تؤتى ثمارها فى بعض الصحف، بل بدأت بعض الصحف تحقق أرباحًا.
كانت هناك معضلة أخرى، فالحفاظ على الصحف والمؤسسات التى تصدرها لا يتنافى مع تحقيق الأثر المطلوب، وهو ما جعل من الضرورى التوجه إلى تعظيم الفائدة من الإصدارات الإلكترونية، وهو ما حدث كخطوة أولى فى تطوير بوابة مؤسسة الأهرام الإلكترونية، وأعتقد أن هناك خطوات كثيرة قادمة فى هذا الملف، فما حدث فى الأهرام مجرد خطوة، وليس نهاية المطاف.
تطوير البوابات الإلكترونية ليس من أجل إنتاج محتوى إعلامى ينافس المحتوى العالمى فقط، ولكن الفكرة قامت على كيفية تجاوب هذه البوابات مع المحتوى المنشور عبر منصات التواصل الاجتماعى والتأثير فيها، على اعتبار أن هذه المنصات أصبحت ذات تأثير واضح، وتمتلك دورًا كبيرًا فى صياغة الرأى العام.
الدراما التليفزيونية لم تكن بعيدة عن عملية الهندسة الإعلامية.
لقد شاهدنا خلال السنوات الماضية حالة من الانفلات الكبير فى الإنتاج الدرامى، ضع جانبًا العدد الهائل من المسلسلات التى كان يتشابه بعضها فى الموضوعات والأبطال والأحداث، للدرجة التى جعلت المشاهدين لا يركزون كثيرًا فى أحداثها ولا تطور خطوطها الدرامية، بل حدث ما هو أكثر، فلم يعد المشاهدون قادرين على حفظ أسماء المسلسلات، وكان طبيعيًا أن ينعكس هذا على وضعية الدراما المصرية فى منظومة الدراما العربية، فتفوقت عليها الدراما العربية، وأصبح الجمهور منصرفًا بالكلية إلى الدراما التركية التى أصبحت قدرًا يطارد المصريين فى البيوت.
وفى الوقت الذى كانت تقدم فيه مصر كل يوم شهداء فى ساحة المواجهة مع الإرهاب، وجدنا الدراما منصرفة تمامًا إلى معالجة موضوعات وقضايا أبطالها من البلطجية وتجار المخدرات وتجار السلاح والراقصات، ولم يكن لدينا مسلسل واحد فيه خط درامى واحد لقصة شهيد.
تم التنبه لذلك، فأصبحت لدينا مسلسلات تعكس الواقع، ورأينا قصة الشهيد فى مسلسل «نسر الصعيد»، وتابعنا فى مسلسل «كلبش» جانبًا من المواجهة مع الإرهاب، وجاء فيلم «الممر» ليعكس حالة من الفخر القومى، تم تتويجها فى احتفال القوات المسلحة بعيد ٦ أكتوبر خلال الندوة التثقيفية الحادية والثلاثين.
فى هذه الندوة احتفى الرئيس عبدالفتاح السيسى شخصيًا بأبطال الفيلم، وطالب بشكل واضح بأن تكون لدينا أفلام ومسلسلات على هذه الشاكلة، وكان طبيعيًا أن تظهر مشروعات مماثلة، مثل مسلسل «الاختيار» الذى يوثق قصة بطل الصاعقة أحمد منسى فى مواجهة قصة الإرهابى هشام عشماوى، وتظهر فكرة فيلم يجسد حياة بطل الصاعقة المصرى الأسطورى إبراهيم الرفاعى.
لم يكن تدخل الدولة فى الدراما إذن بغرض السيطرة عليها أو إقصاء منتجين محددين كما تخيل البعض، ولكن كان لا بد من ضبط الأداء الدرامى، وهو ما لم يعجب بعض صناع الدراما الذين تعاملوا مع الأمر على أنه نوع من التدخل العنيف فى عملهم، وكان طبيعيًا أن يعودوا مرة أخرى إلى العمل، بعد أن أيقنوا أن هناك هدفًا واضحًا جدًا لما يحدث، وبعد أن أيقنوا أيضًا أنهم لن يستطيعوا أن يفرضوا شروطهم على الدولة والمجتمع.
اعتقد البعض أن الدولة تريد أن تنفرد بتحقيق المكاسب، وهو ما انتفى تمامًا، فقد رأينا إهداء مسلسلات للتليفزيون المصرى لم يسهم فى إنتاجها، وكان الهدف من ذلك مساعدته لتحقيق أرباح، كما بدأنا نرى إنتاجًا دراميًا طوال العام، وتحرير المشاهد المصرى من أسر الموسم الدرامى الواحد فى شهر رمضان، فأصبحت هناك مواسم درامية متعددة، بل وجدنا أنفسنا أمام أعمال درامية متميزة مثل مسلسل «أبوالعروسة» الذى أنتجته شركة خاصة، وهو ما يمكننا التعامل معه على أنه نموذج للدراما الاجتماعية الراقية التى التف حولها الناس، للدرجة التى عاد معها نجوم المسلسلات إلى حصد جماهيرية شعبية هائلة، وهو ما حدث تحديدًا مع الفنان سيد رجب، وهو ما كنا نفتقده لسنوات طويلة.
اعتقد البعض أن هناك محاولات لإقصاء ماسبيرو خارج المشهد الإعلامى وهو ما يمكننا نفيه بشكل كامل، لكن الجميع يعرف، وعلى رأسهم العاملون فى ماسبيرو، أن إنهاض المبنى العريق يحتاج إلى مجهود هائل، وقد جرت محاولات كثيرة لانتشاله من الحالة التى وصل إليها، بعضها لم يحقق نجاحًا ملحوظًا، لكننا الآن أمام محاولة جادة من خلال تطوير قنواته، والتعاون معه فى إطلاق قناة رياضية بإمكانيات كبيرة، لتكسر احتكار القنوات الرياضية العربية، وهو ما يصب فى صلب الأمن القومى المصرى.
كان ملحوظًا أيضًا أن عملية الهندسة الإعلامية تقوم على تمكين الشباب، وعندما نراجع الشاشات، سواء الحكومية أو الخاصة، سنجد أنفسنا أمام وجوه جديدة بدأت تشق طريقها وبقوة إلى الناس، ومهما اختلفنا حول مستويات أصحابها، فإننا أمام محاولة جادة لضخ دماء جديدة فى شرايين الإعلام المصرى التى تيبست، وليس مطلوبًا منا إلا أن نمنح هؤلاء الفرصة كاملة لأن يعملوا ويخوضوا تجاربهم الخاصة، ليس علينا إلا أن ننتظر، وأعتقد أن الانتظار لن يطول.
لقد تعامل البعض باستخفاف مع إطلاق منصة «واتش إت»، وهى المنصة التى تم الإعلان عن هدفها بشكل واضح وهو الحفاظ على التراث المصرى من السرقة والضياع وإعادة ترميمه وتجميعه، وقد بدأت المنصة فى ذلك بالتعاون مع الهيئة الوطنية للإعلام ومدينة الإنتاج الإعلامى.
لقد تعرض التراث المصرى لحالات من السرقة والقرصنة التى كان يشهدها الجميع دون أن يعترض على ذلك أحد، وإذا راجعنا دفتر أحوال ماسبيرو فسنجد وقائع كثيرة تم خلالها ضبط اللصوص الذين كانوا يستولون على الأعمال الدرامية والبرامج من مكتبة التليفزيون لصالح قنوات عربية ومصرية خاصة، والله وحده يعلم الوقائع التى تمت دون أن يتم ضبط من تورطوا فيها.
لقد كان تراث ماسبيرو كمًا مهملًا لا يستفيد منه أحد، حتى جاءت منصة «واتش إت» لتستفيد من هذا التراث بتوثيقه، كثروة مهمة تمثل قوة معنوية لمصر، وبعرضه وتحقيق أرباح هائلة منه، أى أننا أمام عملية استثمار واضحة سوف يربح منها الجميع، وتخيلوا لو أننا وقفنا مكتوفى الأيدى أكثر من ذلك لضاعت علينا ثروات هائلة نملكها دون أن نحقق منها أدنى استفادة.
هذا جانب واحد من جوانب عمل المنصة الرقمية التى لم تحظ باستقبال جيد من الرأى العام المصرى، بسبب حالة التشويه التى تعرضت لها، وهى حالة مفهومة المقاصد والأهداف.
الجانب الأهم والأكبر أن هذه المنصة ستتيح عرض أعمال درامية وفنية ووثائقية خاصة بها، وهو ما سيمكنها من منافسة المنصات العالمية التى بدأت تغزو الفضاء الإلكترونى، وهى منافسة فى النهاية ستتم باسم مصر، ولن يحتكرها أحد لاسمه وحده، فالكل يعمل الآن تحت المظلة الكبرى التى اسمها مصر.
المنافسة وحدها ليست الهدف، فإنتاج أعمال خاصة للعرض على «واتش إت» سيتيح تمكين حالة إبداعية خاصة جدًا، يحتاج إليها المبدعون المصريون فى مختلف المجالات، وأعتقد أن هذا أمر مطلوب فى ظل المنافسة على الأدوار التى تخطط دول أخرى إلى حجزها قاصدة حصار مصر على كل المستويات.
يتجاهل البعض أن المنظومة الإعلامية فى مصر هى التى نجحت وبشكل كامل فى تنظيم أربع حفلات «افتتاح وختام» لبطولتى كأس الأمم الإفريقية وكأس الأمم الإفريقية للشباب تحت ٢٣ سنة، ورغم أننا شاهدنا بأعيننا ما حدث، فإننا مررنا مرورًا عابرًا على ما حدث، وكأننا لسنا أمام إنجاز حقيقى على الأرض، وتطور مشهود يمكن البناء عليه.
تدخل الدولة لم يقتصر على التماس مع المحتوى والاقتصاديات التى هى العمود الفقرى لصناعة الإعلام، ولكنها اقتربت أيضًا من منظومة التشريعات التى تحكم العملية الإعلامية التى لا يجب أن تتحرك فى الفراغ، وهى التشريعات التى لاقت مقاومة كبيرة، وهو أمر طبيعى جدًا، لكنها وبتأمل عابر سنجدها فى مصلحة العملية الإعلامية وبشكل كامل.
هنا لا بد من سؤال، ولا بد أن تكون الإجابة عنه واضحة ومقتحمة وهو: إذا كانت الهندسة الإعلامية التى قامت بها وعليها الدولة حققت نجاحات فعلية على الأرض، فلماذا كل هذا الهجوم، ولماذا كل هذا الرفض، ولماذا كل هذا التشويه؟
هنا لا بد أن نعود مرة أخرى إلى بداية حديثنا، فالهجوم الذى يواجهه الإعلام المصرى فى معظمه ليس موضوعيًا ولا منطقيًا، بل يقوم به أصحاب المصالح والمضارون، وهو أمر طبيعى، وإن كان لا يعنى عدم الالتفات إليه، فمن الضرورى استعراضه ومناقشته والاستجابة للموضوعى منه، حتى لو أصحابه ليسوا موضوعيين.
وهذه هى كل الحكاية.
قبل أن أمضى لا بد أن تستوقفنى وتسألنى عن حالة حرية الإعلام على هامش تطبيق الهندسة الإعلامية؟
سأقول لك كان طبيعيًا أن تتأثر حرية الإعلام وحيويته وفاعليته، لكن هذا أمر وقتى سرعان ما سيزول ويتبدد أثره، فلا يمكن للهندسة الإعلامية أن تؤثر أو تؤتى ثمارها من غير مناخ حر تمامًا، لكن يظل السؤال: عن أى حرية إعلامية نتحدث؟.
حدثونى عن الحرية التى هى أداة لبناء الدولة المصرية، فأنا معها بلا حدود.
أما الحرية التى يريد أصحابها تخريب كل شىء من خلالها فأنا ضدها.. وإلى الأبد.
الدولة تحملت العناء الأكبر ليبقى الإعلام على قيد الحياة بعد أن تراجعت إيراداته الذاتية واختفى ممولوه المباشرون
الدولة عملت على بناء الإعلام عبر تخطيط شامل لاقتصادياته وتوظيف إمكانيات العاملين به بما يؤدى إلى نهوضه
الرؤية تقوم على تقليل الفجوة بين مصروفات وإيرادات الصحف وتعظيم الاستفادة من الإصدارات الإلكترونية
الدولة تدخلت لضبط الأداء الدرامى وليس للسيطرة أو تحقيق مكاسب مادية.. وهى تعمل منذ فترة على النهوض بـ«ماسبيرو»
هناك محاولة جادة لضخ دماء جديدة فى شرايين الإعلام المصرى وتمكين الشباب بشكل كبير
منصة «واتش إت» تهدف لحماية التراث المصرى من عمليات السطو والقرصنة لكنها تعرضت لمحاولة تشويه كاملة
الهجوم على الإعلام المصرى ليس موضوعيًا أو منطقيًا بل يقوم به أصحاب المصالح والمضارون من عمليات ضبط الأداء
لم يتوقف الهجوم على الإعلام المصرى، خلال السنوات الماضية، يومًا واحدًا، صباح كل يوم يتعرض العاملون فيه إلى حملات تشويه وتنظير، وكأنه المسئول عن كل خطايا الأرض مجتمعة، والغريب أن حملات الهدم لا تنطلق من جبهة واحدة، ولكن كل الجبهات اجتمعت عليه، فى حالة أقرب إلى الهستيريا التى لا علاج لها ولا حل.
وقد تسأل ببراءة، لا تخلو من بعض الخبث، عن هذه الحالة التى لم يشهدها الإعلام المصرى فى تاريخه، حتى بعد هزيمة ٦٧، عندما انهارت منظومته تمامًا، وأصبح فى مهب الريح بعد أن تساقطت أوراق مصداقيته وأصبحت أثرًا بعد عين.
يمكننى أن أدلك على بداية الطريق لتتأمل ما يحدث.
فالهجوم لا ينقطع أبدًا، وكأن هناك مهمة مقدسة تم تكليف البعض بها فى حرب لا يمكن أن يخسرها الإعلام المصرى، الذى يحمل فى مكوناته عوامل بقائه واستمراره وتجديد نفسه ذاتيًا، حتى لو تعرض لأزمات طاحنة، وحتى لو وصلت كراهيته التى لا يخفيها البعض، بل يصرون على إظهارها، إلى مرحلة المؤامرة عليه وسحب البساط من تحت قدميه.
من السهل علينا رسم خريطة الكارهين للإعلام المصرى فى فئات محددة.
الفئة الأولى هى جماعة الإخوان، حيث تقوم لجانها الإلكترونية بتشويه الإعلاميين المصريين وكل ما يصدر عنهم، يفعلون ذلك بهدف محدد وهو تقويض قوته الموجهة ضدهم وضد جماعتهم، فهو بالنسبة لهم سلاح تستخدمه الدولة المصرية لفضح الجماعة وكشف مخططاتها بشكل كامل، لذلك يخططون لقطع الطريق عليه، معتمدين على أن تشويهه والإساءة إليه وإطلاق الشائعات حول العاملين فيه، يمكن أن يجعلهم بلا مصداقية فينصرف عنهم الناس، وبذلك تخلو لهم الساحة تمامًا.
الفئة الثانية لا تبتعد عن الفئة الأولى كثيرًا، وأقصد بهم الذين ظهروا على المنصات الإعلامية المعادية التى تنطلق من قطر وتركيا، وهى منصات تعمل تحت مظلة الجماعة حتى لو أنكر بعضهم ذلك، وهؤلاء يركزون بشكل كبير على ممارسات الإعلام المصرى، وما يقوم به الإعلاميون، قاصدين إظهار ما يعتقدون أنه تناقضات أو أخطاء، هذا غير اتهام الإعلاميين بأنهم ينافقون النظام المصرى ويعملون على تحقيق أهدافه.
ورغم أن هذه ليست تهمة على الإطلاق، إلا أنهم يصيغون كلامهم بصيغ تؤثر على تلقى المشاهدين، الذين ينالون بدورهم من الإعلاميين المصريين، ويصنفونهم بشكل مريب ومغرض، وللأسف الشديد وقع الإعلاميون فى الفخ، فبدأوا فى الدفاع عن أنفسهم رغم أنهم فى الأساس ليسوا متهمين بشىء مشين.
الفئة الثالثة هى مجموعة من المواقع الإلكترونية، التى لها أهدافها وأجنداتها الخاصة، ومنها مدى مصر والأخبار واللبنانية وعربى ٢١، وهى المواقع التى دأبت على الاهتمام بشئون الإعلام المصرى أكثر من اهتمامها بأى شىء آخر، مهما بلغت خطورته.
تختلف هذه المواقع فى مصادر تمويلها وتتفق فى هدفها الذى هو هدم معبد الإعلام المصرى على رأس من يعملون فيه، والغريب أنها لا تدخل فى نقاش مع ما يطرحه الإعلام المصرى من أفكار ومناقشات، ولكنها تتعمد البحث تحت جلده، شاغلة نفسها بمَن بقى ومَن رحل، ومَن يدير المنظومة وماذا يفعلون؟ وهى محاولة لصنع حالة من القلق، الهدف منها نزع الثقة التامة فى استقرار الأوضاع، وهو ما ينعكس سلبًا بالطبع على كل عناصر المنظومة.
لقد كان غريبًا مثلًا حالة الاهتمام فى الداخل والخارج بحركة تنقلات المذيعين، الذين يعملون فى قنوات الشركة المتحدة، وكأننا أمام حركة كونية، رغم أن ما يجرى على الأرض أمر عادى جدًا، فأن ينتقل مذيع من قناة إلى قناة أخرى، أو أن يعود مذيع أو مذيعة إلى العمل الإعلامى مرة أخرى، فهذا لا يخرج عن كونه مجرد خبر عادى، يمكن تناوله بالطريقة نفسها التى نتعامل بها مع الأخبار الروتينية، لكن ولأن هناك حالة من الترصد العنيف لكل ما يحدث فى الإعلام المصرى، فقد تحولت حركة المذيعين إلى ضجة وصخب وكأننا أمام تشكيل وزارى عنيف.
الفئة الرابعة ينطوى تحت مظلتها هؤلاء الذين أضيروا من إعادة رسم خريطة الإعلام فى السنوات الأخيرة، وهى الخريطة التى كان يسعى من خلالها القائمون على الإعلام إلى ضبط أدائه، وكان طبيعيًا أن يكون لرسم الخريطة من جديد ضحايا.
المفاجأة أن هؤلاء تحولوا إلى أساتذة ونقاد للحالة الإعلامية العامة، فما داموا خارج الصورة فهم الأفضل، ومن يعملون هم أسوأ العناصر، رغم أنك عندما تتأمل أسماء الذين ينتقدون الإعلام، انطلاقًا من أرضية مصلحتهم المباشرة، فلن تجد من بينهم اسمًا لامعًا، ولا صاحب تجربة، لكنهم للأسف الشديد يعتقدون فى أنفسهم شيئًا لا يراه غيرهم.
هؤلاء يثيرون كثيرًا من الغبار حول أداء الإعلام المصرى، فلا شىء يعجبهم، ولا أحد ينال تقديرهم، كل ما يحدث خطأ، والغريب أن هؤلاء لو تمت الإشارة إليهم ليدخلوا المنظومة الإعلامية فلن يترددوا، والغريب أنهم يتحولون بشكل كامل بمجرد تحقيق مصالحهم.
هجومهم يتحول إلى مدح.
وانتقادهم يصبح إشادة.
والذين يرجمونهم بألسنتهم سبًا وقذفًا وتشويهًا يصبحون أصدقاء.
لا أريد أن أعدد نماذج من هذه الفئة، فهم فى الحقيقة أقل من أن ألتفت إليهم، فهم أصحاب نفوس مريضة، يسعون خلف تحقيق مصالح ضيقة جدًا، ولا مانع لديهم بعد أن يحصلوا على ما يريدون من خلع ملابسهم وبشكل كامل.
لا يمكن أن أتجاهل أن هناك فئة لديها رؤية ورأى وموقف، يملك أصحابها تصورًا ينتقدون على أساسه الإعلام المصرى، وهؤلاء يمكن أن نستمع منهم، لأنهم يخافون بالفعل على المهنة، ويخشون عليها من السقوط أو الانحراف عن مقاصدها الأساسية.
لكن ما يحيرنى بالفعل هؤلاء الذين يعملون فى منظومة الإعلام المصرى ويتولون مناصب مهمة فيها، لا تقل عن رؤساء مجالس إدارات مؤسسات وصحف حكومية وقيادات فى قنوات فضائية وكُتّاب أعمدة رأى، وتراهم يُحملون على الإعلام المصرى بعنف، ولا أجد لهؤلاء مبررًا، إلا أنهم يخشون فقدان ما هم فيه، ولذلك يأتى انتقادهم عادة فى جلسات مغلقة ولا يظهر إلى العلن.
يمكن أن تتمسك بكلماتى وتمنعها من التدفق، وتسألنى عما أراه يعيب الإعلام المصرى أو يفتقده، أم أننى أرى أن كل شىء إيجابى تمامًا، ولا شىء ينقص المنظومة، التى من المفروض أن تكون رأس الحربة فى المعارك الكبرى التى تخوضها مصر الآن؟
سأقول لكم وبمنتهى الصراحة إن هناك عيوبًا كثيرة فى الإعلام المصرى، وهناك أزمات ومشاكل طاحنة، لكنها بالنسبة لى العرَض وليس المرض.
قل ما شئت عن أزمات الإعلام المصرى ومشاكله.
تحدث عن مستوى المضمون الذى يقدمه كما تشاء.
صُب عليه جام غضبك.
تعرّض للمعالجات التى يقدمها كما ترغب.
ارفضها كلها.
اجعل من نفسك مُنظرًا على من يقومون بها.
لكن تأكد وأنت تفعل ذلك كله أنك تبتعد عن المشكلة الأساسية.
وقبل أن تسألنى عنها، سأقول لك إن الإعلام المصرى، وخلال السنوات التى أعقبت ثورة ٢٥ يناير، أصيب فى عموده الفقرى، وأقصد تحديدًا اقتصادياته، نحن نعانى بالفعل من أزمة فى اقتصاديات الإعلام.
نعترف بأننا نعمل فى مهنة من الصعب أن تربح ذاتيًا، فلو أننا اعتمدنا على بيع نسخ الصحف المطبوعة فلن تربح الصحف مهما فعلت، بل ستحقق خسائر فادحة، هذا فى الوقت الذى تحتاج فيه المادة الصحفية التى ننتجها، إذا أردنا لها تميزًا، تكاليف ضخمة.
وإذا حاولت أن تتأمل حالة المواقع الإلكترونية التى يستهلكها الجمهور مجانًا، فلم تحقق أى ربح فى مقابل التكلفة الكبيرة التى يمكن أن تصل إلى درجة الاستنزاف.
القنوات التليفزيونية هى الأخرى تتكلف الملايين، يحتاج إنتاجها إلى مغارة على بابا.
وتخيل أنك تجلس على مقعد مريح لتشاهد برنامجًا يتكلف الملايين، وبصرف النظر عن إعجابك به أو انصرافك عنه، فإنك لا تسهم إلا بالقدر اليسير فى دعمه.
يحتاج الإعلام إلى مصادر تمويل.
دعك من عائدات التوزيع للصحف، فكل نسخة تباع تحقق خسارة واضحة للمؤسسات الصحفية، فتكلفة النسخة تزيد فى الغالب على سعر بيعها بكثير.
إننا نتحدث عن منظومة الإعلانات التى تأثرت بشكل كبير وتراجعت بشكل أكبر لأسباب اقتصادية لا تخفى على أحد، ونتحدث عن الدعم المباشر الذى تتلقاه وسائل الإعلام المختلفة، وهو دعم لا يمكن أن يتنكر له أحد من مجموعات المصالح، سواء كانت هذه داخل السلطة أو خارجها، وهى مجموعات فى الغالب لا تدعم الإعلام إلا بشروطها، وهى فى الغالب أيضًا شروط صعبة، تخرج أحيانًا بالإعلام عن أهدافه المجردة.
ولو استنكرتَ علىّ ما أقوله، سأقول لك إن هذه هى الحقيقة العارية للأسف الشديد، وهى حقيقة يجب أن نواجهها دون خجل.
حل أزمات الإعلام من وجهة نظرى أن يتم إصلاح منظومة اقتصادياته فتعود إلى سيرتها الأولى، وهو ما يجب أن يتوافق عليه الجميع، وأقصد بالجميع كل من يهتم بشأن الإعلام سواء من داخل النظام السياسى أو خارجه، وأعتقد أن الدولة فطنت إلى هذا مبكرًا، وكان طبيعيًا أن تتدخل وتعيد هيكلة ما تراه مهترئًا، فى ظل انسحاب القطاع الخاص أو ارتضائه بأن يلعب دورًا هامشيًا، رغم أننى أعترف أيضًا بأن القطاع الخاص وجد نفسه مجبرًا فى بعض الحالات على التراجع.
من حقك أن تسأل هنا:
وما الذى أجبر الدولة على التدخل والعمل بنفسها فى إصلاح منظومة اقتصاديات الإعلام؟
ما الذى جعلها تتحمل كل هذا العبء المالى فى مساندة الإعلام وحمايته من السقوط النهائى؟
ما الذى جعلها تضخ مليارات الجنيهات حتى تحافظ على بقاء الإعلام ومقاومة فنائه؟
وفى نفس الوقت من حقك أن تسأل عن الأسباب التى دعت القطاع الخاص إلى الانسحاب تدريجيًا من العمل الإعلامى؟
وهل كان هذا الانسحاب باختياره أم أُجبر عليه إجبارًا لم يكن له فيه خيار؟
الإجابة عن السؤال الأخير يمكن أن تقودنا إلى الإجابة عن الأسئلة التى سبقته.
لقد كان بقاء القطاع الخاص بقوته الكاملة فى المجال الإعلامى مرهونًا بتحقيق أهداف ومصالح أصحابه، وهى مصالح صحيح أنها لا تتناقض مع مصالح الدولة المصرية، لكنها فى العموم لا تتوافق معها بشكل كامل، ولأن مصر دخلت بعد ٣٠ يونيو مساحات من المعارك تستلزم توحيد كل الجهود، فكان طبيعيًا أن ينسحب القطاع الخاص، لأن لديه أولوياته.
ألحت الدولة المصرية عبر مستويات مختلفة من مسئوليها على صورة الإعلام الذى تحتاجه فى سياق مواجهاتها ومعاركها، وهى العليمة بها وبمتطلباتها.
تحدثت الدولة عن الإعلام الذى تحتاجه وليس الإعلام الذى تريده، والفارق كبير جدًا.
فعندما تتحدث عن الإعلام الذى تحتاجه فهى تتحدث عن متطلبات مرحلة، بمجرد انتهائها يمكن أن تدخل بالإعلام إلى مرحلة جديدة، لكنها إذا تحدثت عن الإعلام الذى تريده فإننا أمام صياغة ثابتة وأبدية تعبّر عن رؤية دائمة وليست نابعة من احتياج مؤقت، مرهون بظروف طارئة.
رأى أباطرة القطاع الخاص، الذين اعتصروا الإعلام المصرى خلال السنوات الأخيرة من عصر مبارك، والسنوات التى أعقبت ثورة ٢٥ يناير، أن الزمن ليس زمنهم، حاولوا أن يقاوموا فى البداية، لكنهم سرعان ما استسلموا، ولأنهم لا يريدون الخروج بلا مكاسب، فقد حلا لبعضهم تصوير أنفسهم على أنهم ضحايا.
خلو الساحة جعل الدولة تتدخل وبقوة وعبر مسارات مختلفة.
يعتقد البعض أن تدخل الدولة فى الإعلام تم بشكل عشوائى، وهو الأمر الذى يخالف المنطق ويجافى الواقع ويخاصم أولويات رجال الدولة، الذين قرروا مبكرًا أنه من الضرورى تقويم الإعلام الذى تعاملوا معه على أنه سلاح مهم فى معارك الدولة المصرية الثلاث «مواجهة الإرهاب- التنمية- الوعى» وهى معارك متصلة وليست منفصلة على أى حال.
تدخل الدولة فى الإعلام تم على ثلاث مراحل.
المرحلة الأولى هى التفاهم، وخلالها جرت جلسات كثيرة، سواء مع الإعلاميين من مختلف الاتجاهات، أو مع أصحاب وسائل الإعلام على اختلاف أمزجتهم ومشاربهم ومصالحهم أيضًا، ورغم أن المناقشات التى شهدتها هذه الجلسات كان الهدف منها الوصول إلى صيغة من التعاون الجاد، إلا أن الإعلاميين اعتصموا بما حققوه من مكاسب، ولم يبدُ منهم أن هناك أى استعداد للوصول إلى صيغة من التفاهم.
خلال هذه المرحلة كان ظهور الإعلاميين إلى جوار الرئيس واضحًا، ومشاركتهم فى الفعاليات الرئاسية ملحوظًا، بل كان الإعلاميون يتسابقون على درجة القرب من الرئيس فى الصور الرسمية، بما يوحى بأنهم رجاله، لكن المفاجأة أن هؤلاء الإعلاميين أنفسهم كانوا يخرجون عن الخط العام للدولة، ويوجهون لها انتقادات عنيفة، رغم أن المؤسسات الرسمية كانت بالكاد تحاول التعافى، وهو ما جعلها فى حاجة إلى المساندة لا الحصار بالنقد والهجوم.
هذه الحالة صنعت فجوة وجفوة بين الإعلاميين والدولة، وكان من الطبيعى أن يصبح كل منهما فى طريق.
المرحلة الثانية كانت الاستيعاب، وتم خلالها الانفتاح على الجميع فى محاولة لصناعة جيل من الإعلاميين، يستطيع أن يقود المشهد، وهو السبب وراء أسماء كثيرة على المسرح الإعلامى، بعضها أثبت جدارة والبعض الآخر سقط فى منتصف الطريق فلم يعد له وجود، وخلال هذه المرحلة بدأ التلاسن بين القادمين الجدد إلى الصورة، والذين خرجوا منها، وكان هذا طبيعيًا.
هذا التلاسن تحديدًا كان وراء صناعة صورة سلبية جدًا عن الإعلاميين المصريين، فلا أحد يهتم بشىء إلا بالمصلحة الخاصة والمباشرة، أما ما يجب أن يفعله الإعلام ويقدمه فى معارك الدولة الأساسية فلا مكان له ولا تواجد.
كان طبيعيًا أن ننتقل إلى المرحلة الثالثة، وهى الاحتواء التام، فالإعلام فى حاجة لمن يقف فى ظهره وإلا انهار تمامًا، ويشهد العالمون بخفايا الملف أن الدولة تحملت العناء الأكبر والمسئولية العظمى ليبقى الإعلام على قيد الحياة، بعد أن تراجعت إيراداته الذاتية واختفى ممولوه المباشرون.
من العبث الحديث عن ملكية الدولة المباشرة للصحف أو القنوات الفضائية، الحل كان فى تأسيس شركات خاصة دون تدخل فى شئونها من قريب أو بعيد، على أن تتولى هذه الشركات شئون الإعلام والقيام بالمهمة الأساسية فى إعادة صياغته من جديد، وهى المهمة التى استغرقت وقتًا طال بسبب التعقيدات التى أصبح عليها المشهد الإعلامى، وهى تعقيدات لم تكن مالية فقط، ولكنها كانت مهنية أيضًا.
فى المساحة التى تتقاطع فيها الدولة مع الإعلام، يمكن أن نقول إن الدولة تحتاج لمن يفكر معها، لمن يدخل معها فى حوار ونقاش عما يجب أن يكون، لكن الأزمة أن الدولة ممثلة فى مسئوليها وجدت نفسها أمام أزمة، فهى مطلوب منها أن تنقذ الإعلام ماليًا، وأن تفكر له أيضًا، وهى الصيغة التى استسلم لها إعلاميون كثيرون، فأصبحوا ينتظرون التصورات التى تستقر عليها الدولة دون أن يضيفوا أو يفكروا أو يقدموا معالجات خاصة بهم، وأعتقد أن هذا كان سر التشابه الذى بدا به الإعلام المصرى، وهو التشابه الذى انتقده الجميع، سواء كانوا المسئولين فى الدولة أو المسئولين عن الهيئات الإعلامية، دون أن يبحث أحد عن السبب فى ذلك.
الآن من المناسب أن تسأل كيف تعاملت الدولة مع هذا الملف؟
كانت الفكرة أمامى لكنها فى حاجة إلى بلورة، كنت أرى حالة من الهندسة المقصودة فى إعادة ترتيب البيت الإعلامى، لكننى لم أستقر على تسميتها، حتى وقع فى يدى كتاب الزميل أحمد المسلمانى «الهندسة السياسية»، الذى صدر فى العام ٢٠١٨ عن الدار المصرية اللبنانية.
يُعرّف المسلمانى الهندسة السياسية بأنها علم بناء الدولة عبر تخطيط شامل للسلطة والمجتمع، بما يؤدى إلى انتقال الدولة من التخلف إلى التقدم، أو من التقدم إلى التقدم الأعلى، مع وضع آليات استدامة لعملية التقدم.
تماهيت مع تعريف المسلمانى، ويمكننى أن أقول إن الدولة قامت بعملية هندسة إعلامية، ويمكن تعريف ما جرى بأنه عملية بناء الإعلام عبر تخطيط شامل لاقتصادياته وتوظيف إمكانيات العاملين فيه، بما يؤدى إلى انتقاله من الركود إلى النهوض، أو من النهوض إلى النهوض الأعلى، مع وضع آليات استدامة لعملية النهوض.
لا بد لى من دليل على ما أقوله لك، فليس من المنطقى أن تستسلم لما أذهب إليه هنا دون أن أقدم لك نماذج مما جرى على الأرض، ومؤكد أنك لمسته بنفسك، لكن قد يكون هناك ما حال بينك وبين استيضاحه بشكل كامل، بسبب حرب التشويه المطلقة التى خاضها البعض أثناء عملية الهندسة التى كان من الطبيعى أن يكون لها ضحايا.
هل نبدأ بالصحف الورقية؟.. لقد أدركت الدولة أن الصحف الورقية تعيش أزهى عصور أزماتها، هناك انصراف كامل عنها، ولا ينكر أحد أنه كان هناك تفكير فى دمج عدد من المؤسسات الصحفية كطريقة من طرق الحل، بل وُضعت لذلك خطط محددة، لكن تم الانحياز إلى أن الحل هو تقليل الفجوة بين مصروفات هذه الصحف وإيراداتها كخطوة أولى للحل، وبعد ذلك يتم البحث عن طريقة يتم بها وصول هذه الصحف إلى أن تغطى تكلفتها حتى لا تصبح عبئًا على مؤسساتها، وأعتقد أن مسألة تقليل الفجوة بين الإنفاق والإيراد بدأت تؤتى ثمارها فى بعض الصحف، بل بدأت بعض الصحف تحقق أرباحًا.
كانت هناك معضلة أخرى، فالحفاظ على الصحف والمؤسسات التى تصدرها لا يتنافى مع تحقيق الأثر المطلوب، وهو ما جعل من الضرورى التوجه إلى تعظيم الفائدة من الإصدارات الإلكترونية، وهو ما حدث كخطوة أولى فى تطوير بوابة مؤسسة الأهرام الإلكترونية، وأعتقد أن هناك خطوات كثيرة قادمة فى هذا الملف، فما حدث فى الأهرام مجرد خطوة، وليس نهاية المطاف.
تطوير البوابات الإلكترونية ليس من أجل إنتاج محتوى إعلامى ينافس المحتوى العالمى فقط، ولكن الفكرة قامت على كيفية تجاوب هذه البوابات مع المحتوى المنشور عبر منصات التواصل الاجتماعى والتأثير فيها، على اعتبار أن هذه المنصات أصبحت ذات تأثير واضح، وتمتلك دورًا كبيرًا فى صياغة الرأى العام.
الدراما التليفزيونية لم تكن بعيدة عن عملية الهندسة الإعلامية.
لقد شاهدنا خلال السنوات الماضية حالة من الانفلات الكبير فى الإنتاج الدرامى، ضع جانبًا العدد الهائل من المسلسلات التى كان يتشابه بعضها فى الموضوعات والأبطال والأحداث، للدرجة التى جعلت المشاهدين لا يركزون كثيرًا فى أحداثها ولا تطور خطوطها الدرامية، بل حدث ما هو أكثر، فلم يعد المشاهدون قادرين على حفظ أسماء المسلسلات، وكان طبيعيًا أن ينعكس هذا على وضعية الدراما المصرية فى منظومة الدراما العربية، فتفوقت عليها الدراما العربية، وأصبح الجمهور منصرفًا بالكلية إلى الدراما التركية التى أصبحت قدرًا يطارد المصريين فى البيوت.
وفى الوقت الذى كانت تقدم فيه مصر كل يوم شهداء فى ساحة المواجهة مع الإرهاب، وجدنا الدراما منصرفة تمامًا إلى معالجة موضوعات وقضايا أبطالها من البلطجية وتجار المخدرات وتجار السلاح والراقصات، ولم يكن لدينا مسلسل واحد فيه خط درامى واحد لقصة شهيد.
تم التنبه لذلك، فأصبحت لدينا مسلسلات تعكس الواقع، ورأينا قصة الشهيد فى مسلسل «نسر الصعيد»، وتابعنا فى مسلسل «كلبش» جانبًا من المواجهة مع الإرهاب، وجاء فيلم «الممر» ليعكس حالة من الفخر القومى، تم تتويجها فى احتفال القوات المسلحة بعيد ٦ أكتوبر خلال الندوة التثقيفية الحادية والثلاثين.
فى هذه الندوة احتفى الرئيس عبدالفتاح السيسى شخصيًا بأبطال الفيلم، وطالب بشكل واضح بأن تكون لدينا أفلام ومسلسلات على هذه الشاكلة، وكان طبيعيًا أن تظهر مشروعات مماثلة، مثل مسلسل «الاختيار» الذى يوثق قصة بطل الصاعقة أحمد منسى فى مواجهة قصة الإرهابى هشام عشماوى، وتظهر فكرة فيلم يجسد حياة بطل الصاعقة المصرى الأسطورى إبراهيم الرفاعى.
لم يكن تدخل الدولة فى الدراما إذن بغرض السيطرة عليها أو إقصاء منتجين محددين كما تخيل البعض، ولكن كان لا بد من ضبط الأداء الدرامى، وهو ما لم يعجب بعض صناع الدراما الذين تعاملوا مع الأمر على أنه نوع من التدخل العنيف فى عملهم، وكان طبيعيًا أن يعودوا مرة أخرى إلى العمل، بعد أن أيقنوا أن هناك هدفًا واضحًا جدًا لما يحدث، وبعد أن أيقنوا أيضًا أنهم لن يستطيعوا أن يفرضوا شروطهم على الدولة والمجتمع.
اعتقد البعض أن الدولة تريد أن تنفرد بتحقيق المكاسب، وهو ما انتفى تمامًا، فقد رأينا إهداء مسلسلات للتليفزيون المصرى لم يسهم فى إنتاجها، وكان الهدف من ذلك مساعدته لتحقيق أرباح، كما بدأنا نرى إنتاجًا دراميًا طوال العام، وتحرير المشاهد المصرى من أسر الموسم الدرامى الواحد فى شهر رمضان، فأصبحت هناك مواسم درامية متعددة، بل وجدنا أنفسنا أمام أعمال درامية متميزة مثل مسلسل «أبوالعروسة» الذى أنتجته شركة خاصة، وهو ما يمكننا التعامل معه على أنه نموذج للدراما الاجتماعية الراقية التى التف حولها الناس، للدرجة التى عاد معها نجوم المسلسلات إلى حصد جماهيرية شعبية هائلة، وهو ما حدث تحديدًا مع الفنان سيد رجب، وهو ما كنا نفتقده لسنوات طويلة.
اعتقد البعض أن هناك محاولات لإقصاء ماسبيرو خارج المشهد الإعلامى وهو ما يمكننا نفيه بشكل كامل، لكن الجميع يعرف، وعلى رأسهم العاملون فى ماسبيرو، أن إنهاض المبنى العريق يحتاج إلى مجهود هائل، وقد جرت محاولات كثيرة لانتشاله من الحالة التى وصل إليها، بعضها لم يحقق نجاحًا ملحوظًا، لكننا الآن أمام محاولة جادة من خلال تطوير قنواته، والتعاون معه فى إطلاق قناة رياضية بإمكانيات كبيرة، لتكسر احتكار القنوات الرياضية العربية، وهو ما يصب فى صلب الأمن القومى المصرى.
كان ملحوظًا أيضًا أن عملية الهندسة الإعلامية تقوم على تمكين الشباب، وعندما نراجع الشاشات، سواء الحكومية أو الخاصة، سنجد أنفسنا أمام وجوه جديدة بدأت تشق طريقها وبقوة إلى الناس، ومهما اختلفنا حول مستويات أصحابها، فإننا أمام محاولة جادة لضخ دماء جديدة فى شرايين الإعلام المصرى التى تيبست، وليس مطلوبًا منا إلا أن نمنح هؤلاء الفرصة كاملة لأن يعملوا ويخوضوا تجاربهم الخاصة، ليس علينا إلا أن ننتظر، وأعتقد أن الانتظار لن يطول.
لقد تعامل البعض باستخفاف مع إطلاق منصة «واتش إت»، وهى المنصة التى تم الإعلان عن هدفها بشكل واضح وهو الحفاظ على التراث المصرى من السرقة والضياع وإعادة ترميمه وتجميعه، وقد بدأت المنصة فى ذلك بالتعاون مع الهيئة الوطنية للإعلام ومدينة الإنتاج الإعلامى.
لقد تعرض التراث المصرى لحالات من السرقة والقرصنة التى كان يشهدها الجميع دون أن يعترض على ذلك أحد، وإذا راجعنا دفتر أحوال ماسبيرو فسنجد وقائع كثيرة تم خلالها ضبط اللصوص الذين كانوا يستولون على الأعمال الدرامية والبرامج من مكتبة التليفزيون لصالح قنوات عربية ومصرية خاصة، والله وحده يعلم الوقائع التى تمت دون أن يتم ضبط من تورطوا فيها.
لقد كان تراث ماسبيرو كمًا مهملًا لا يستفيد منه أحد، حتى جاءت منصة «واتش إت» لتستفيد من هذا التراث بتوثيقه، كثروة مهمة تمثل قوة معنوية لمصر، وبعرضه وتحقيق أرباح هائلة منه، أى أننا أمام عملية استثمار واضحة سوف يربح منها الجميع، وتخيلوا لو أننا وقفنا مكتوفى الأيدى أكثر من ذلك لضاعت علينا ثروات هائلة نملكها دون أن نحقق منها أدنى استفادة.
هذا جانب واحد من جوانب عمل المنصة الرقمية التى لم تحظ باستقبال جيد من الرأى العام المصرى، بسبب حالة التشويه التى تعرضت لها، وهى حالة مفهومة المقاصد والأهداف.
الجانب الأهم والأكبر أن هذه المنصة ستتيح عرض أعمال درامية وفنية ووثائقية خاصة بها، وهو ما سيمكنها من منافسة المنصات العالمية التى بدأت تغزو الفضاء الإلكترونى، وهى منافسة فى النهاية ستتم باسم مصر، ولن يحتكرها أحد لاسمه وحده، فالكل يعمل الآن تحت المظلة الكبرى التى اسمها مصر.
المنافسة وحدها ليست الهدف، فإنتاج أعمال خاصة للعرض على «واتش إت» سيتيح تمكين حالة إبداعية خاصة جدًا، يحتاج إليها المبدعون المصريون فى مختلف المجالات، وأعتقد أن هذا أمر مطلوب فى ظل المنافسة على الأدوار التى تخطط دول أخرى إلى حجزها قاصدة حصار مصر على كل المستويات.
يتجاهل البعض أن المنظومة الإعلامية فى مصر هى التى نجحت وبشكل كامل فى تنظيم أربع حفلات «افتتاح وختام» لبطولتى كأس الأمم الإفريقية وكأس الأمم الإفريقية للشباب تحت ٢٣ سنة، ورغم أننا شاهدنا بأعيننا ما حدث، فإننا مررنا مرورًا عابرًا على ما حدث، وكأننا لسنا أمام إنجاز حقيقى على الأرض، وتطور مشهود يمكن البناء عليه.
تدخل الدولة لم يقتصر على التماس مع المحتوى والاقتصاديات التى هى العمود الفقرى لصناعة الإعلام، ولكنها اقتربت أيضًا من منظومة التشريعات التى تحكم العملية الإعلامية التى لا يجب أن تتحرك فى الفراغ، وهى التشريعات التى لاقت مقاومة كبيرة، وهو أمر طبيعى جدًا، لكنها وبتأمل عابر سنجدها فى مصلحة العملية الإعلامية وبشكل كامل.
هنا لا بد من سؤال، ولا بد أن تكون الإجابة عنه واضحة ومقتحمة وهو: إذا كانت الهندسة الإعلامية التى قامت بها وعليها الدولة حققت نجاحات فعلية على الأرض، فلماذا كل هذا الهجوم، ولماذا كل هذا الرفض، ولماذا كل هذا التشويه؟
هنا لا بد أن نعود مرة أخرى إلى بداية حديثنا، فالهجوم الذى يواجهه الإعلام المصرى فى معظمه ليس موضوعيًا ولا منطقيًا، بل يقوم به أصحاب المصالح والمضارون، وهو أمر طبيعى، وإن كان لا يعنى عدم الالتفات إليه، فمن الضرورى استعراضه ومناقشته والاستجابة للموضوعى منه، حتى لو أصحابه ليسوا موضوعيين.
وهذه هى كل الحكاية.
قبل أن أمضى لا بد أن تستوقفنى وتسألنى عن حالة حرية الإعلام على هامش تطبيق الهندسة الإعلامية؟
سأقول لك كان طبيعيًا أن تتأثر حرية الإعلام وحيويته وفاعليته، لكن هذا أمر وقتى سرعان ما سيزول ويتبدد أثره، فلا يمكن للهندسة الإعلامية أن تؤثر أو تؤتى ثمارها من غير مناخ حر تمامًا، لكن يظل السؤال: عن أى حرية إعلامية نتحدث؟.
حدثونى عن الحرية التى هى أداة لبناء الدولة المصرية، فأنا معها بلا حدود.
أما الحرية التى يريد أصحابها تخريب كل شىء من خلالها فأنا ضدها.. وإلى الأبد.
نقلاً عن " الدستور "

 

 

 
عدد القراءات : 107                               عدد التعليقات : 0

تعليقات حول الموضوع

 

اضف تعليقك
الاسم :
الموقع أو البريد الإليكتروني :
عنوان التعليق:
التعليق:
  
 
 

 
   
   

 

عدد الزوار الكلي

8916019

عدد الزوار اليوم

1558

المتواجدون حالياً

15

أكثر المتواجدين

18184