04-09-2019

د. محمود الفروخ يكتب: دور الإعلام الاجتماعي في تكوين الرأي العام الفلسطيني

 

تُعد صياغة وتشكيل الرأي العام في المجتمعات من الأدوار الرئيسة التي تقوم بها وسائل الإعلام الجديدة، ويتضاعف ذلك مع التطورات النوعية المتزايدة في مجالات تقنية الاتصالات، والتي منحت وسائل الإعلام إمكانيات وقدرات هائلة في التأثير على الآخرين، الأمر الذي جعل من وسائل الإعلام عاملاً رئيساً من العوامل المؤثرة على الرأي العام؛ إن لم يكن أهم تلك العوامل.
وتتم عملية التأثير على الرأي العام بخطواتٍ وأساليب متعددة، فوسائل الإعلام باعتبارها مصدراً مهماً من مصادر المعلومات تقوم بتزويد المتلقي بشكل مستمر بكم هائل من المعطيات والمعارف المختلفة في شتى القضايا والموضوعات، وهذه المعلومات قد تكون صحيحة ضمن سياقاتها الطبيعية، وقد تنزع منها فتتغير دلالاتها، وقد تكون معلومات ناقصة ومشوهة، بل وقد تكون مكذوبة، كما أنها قد تكون معلومات محايدة لا يُراد منها خدمة توجه معين، وقد تكون معلومات موجهة.
 
كذلك، ساعدت وسائط التواصل الاجتماعي الحديثة على ربط التواصل بين الشعوب بمختلف توجهاتها الحضارية؛ متجاوزة بذلك الحدود السياسية والجغرافية، والعزلة الحضارية التي كانت تعيشها معظم المجتمعات البشرية، إذ يشهد عالمنا المعاصر تحولات كبيرة في تكنولوجيا الاتصال، تؤثر في العلاقات السياسية والاقتصادية، وفي أنماط التفكير في المجتمعات المختلفة.
وشكلت هذه الوسائط عنواناً رمزياً لكثير من الفعاليات والتظاهرات والاحتجاجات والحراكات الشبابية، سواء أكانت موجهة للنظام السياسي، أو ضد توجهات أو ممارسات تقوم بها أطراف رسمية أو أهلية تتعارض مع أهداف وتطلعات الشباب وحقوقهم وآمالهم.
فنحن اليوم نعيش مرحلة جديدة لشكل جديد من أشكال صناعة الرأي العام، ونقل صورة مغايرة لما كان ينقله الإعلام التقليدي والرسمي في منطقتنا. وحتى أن ظل التلفزيون سيد المشهد فإنه اليوم لا يستغني عن المحتوى الذي يصله من صناع الخطاب (المحتوى) الجديد في مناطق الحراك العربية.
 
وقد قامت هذه الوسائط الحديثة، ولا تزال، بدورٍ فعال في إمداد الإنسان بكثير من المعلومات والمواقف والاتجاهات؛ مساهمة بذلك في تشكيل وعيه، وبإعداده ليكون أكثر قدرة على التأثير في الآخرين واستمالتهم.
أن حجم تأثير شبكات التواصل الاجتماعي يتناسب طرديا مع نهضة المجتمع التكنولوجية والمعرفية، وأنها شبكات اتصال اجتماعية تتيح لجميع المشتركين التنسيق والتواصل بحرية مطلقة والمشاركة في صنع الأحداث ومتابعتها وكسر حاجز الخوف وحولت العمل السياسي السري إلى نشاط علني.
 
وانطلاقاً من تزايد عدد المشتركين في تلك الشبكات والوسائط الرقمية، لا سيما في الوطن العربي، فقد أدى إلى تصاعد تأثيرها ودورها في المجتمع والتحولات الجارية، وزيادة مستوى منافستها لوسائل الإعلام التقليدية في تشكيل الرأي العام حول العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.  
ولكن يجب الإقرار، هنا، أنه رغم أن هذه الوسائط الإعلامية ساهمت في زيادة قدرات الناشطين والممارسة السياسية وبلورة وتشكيل الرأي العام إلا أنه لا يمكن في الوقت الحالي اعتبارها بديلا يعوض عن الممارسة السياسية التقليدية.
 
ولقد أصبحت هذه الوسائط الإعلامية من ضرورات الحياة، وهي بمثابة حلقة الوصل بين كل مؤسسات، ومقومات، ومكونات البناء الاجتماعي، وعلى عاتقها تقوم عمليات شرح وتقديم ما لدى كل مؤسسة اجتماعية للأخرى، إذ تؤدي هذه الوسائط دوراً في تشكيل الرأي العام، وفي تعبئة الجماعات، وحشدها حول أفكار وآراء واتجاهات معينة، مهما كانت هذه الجماهير متباعدة جغرافيا، فضلاً عن أنها تمثل أثراً واسعاً في تحقيق المزيد من التأثير على الجماهير، وتوجيهها نحو آراء وأفكار معينة.
إضافة إلى ذلك، فإن المعلومات والمعارف المتنوعة التي تنشر عبر هذه الوسائط تُعد القاعدة الرئيسة التي من خلالها تتمكن وسائل الإعلام من إحداث أنواع مختلفة من التأثير، سواءً على المدى القريب أو البعيد، وبهذا الاعتبار يُعد تزويد وسائل الإعلام للمتلقي بالمعلومات المختلفة آلية أولى في عملية تأثيرها على الرأي العام.
وتكمن الخطورة في هذه الآلية عندما تقوم وسائل الإعلام الجديدة في سبيل تشكيل رأي عام معين بنشر معلومات موجهة من خلال مجموعة من البرامج الإعلامية المتنوعة والتي تخدم بشكلٍ غير مباشر، ومن حيث لا يشعر المتلقي ذلك الرأي، ولكن على المدى البعيد. 
كما أن من الآليات التي تنتهجها وسائل الإعلام الجديدة في التأثير على الرأي العام الانحياز لبعض الآراء وإبرازها للجمهور، والتركيز عليها بأكثر من طريقة سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، والاحتفاء بها، والحديث عن ايجابياتها، والتقليل من شأن سلبياتها، وفي المقابل تقوم بتشويه الآراء الأخرى، وإبراز سلبياتها وتضخيمها، وافتعال الإشكالات حولها، ويصل الوضع أحيانا لحد تجاهل تلك الآراء وحجبها عن الجمهور.
 
إن وسائل الإعلام الحديثة تدفع الجمهور إلى تبني رأي معين من خلال إيهام المتلقي بأن موقفها يمثل الرأي العام، فتصفه مثلاً بأنه يمثل" الموقف الوطني"، أو " الإحساس العام"، أو أن " معظم الناس يؤيدون"…"، أو من خلال اللجوء إلى التقاليد الاجتماعية، والادعاء بان الآراء الأخرى تخالف تقاليد المجتمع، وأنها آراء شاذة، أو عبر تقديم تفسيرات قانونية اجتهادية؛ لتصبح أعمال أصحاب الآراء الأخرى وأنشطتهم خروجا عن القانون، وإن كانت هذه التفسيرات غير مسلمة وقابلة للنقاش. 
ولو تطرقنا إلى نموذج في هذ الصدد، نجد المرأة وقضاياها عربياً يجسد ذلك. فحينما تقوم وسائل الإعلام بتقسم المرأة ضمن إطار معرفي مخالف للتكوين المعرفي الذي لدى الجمهور عن المرأة، وتلجأ في سبيل ذلك إلى استخدام قوالب جذابة تعري من خلالها المرأة، فهي ناجحة لأنها متحررة من ضوابط القيم، وهي محط الأنظار؛ لأنها استغلت النواحي الجمالية في جسدها، وهي مشهورة؛ لأنه عرف عنها مقاومة الأعراف والتقاليد… وهكذا. عملية التقسيم تلك تتم عملية التغيير المعرفي عبر عملية طويلة تتنوع فيها جزئيات التكوين المعرفي الجديدة التي يراد إحلالها محل المعرفة القديمة. إن هذا الفعل يصور العلاقة بين الرجل والمرأة من خلال رؤية موجهة، ونمطية وظالمة ومبتورة تسيئ إلى الطرفين معاً.
 
ولو أخذنا مثال أضيق وأخص، متمثلاً في اهتمام رواد وسائط التواصل الاجتماعي في فلسطين بقضايا حساسة ومعقدة متعلقة بالمرأة الفلسطينية وقضاياه وهمومها وآمالها لوجدنا أن لهذه الوسائط، وتحديداً الفيسبوك أثراً ملحوظاً ومؤثراً في إثارة هذه القضايا مجتمعياً والقدرة في بلورة أو تشكيل رأي عام مساند لهذه القضايا ومطالب المرأة عموماً.
ولو تطرقنا إلى آخر تلك القضايا والقصص في ذلك، وهي قصة المغدورة الشابة من بيت ساحور إسراء غريب لتأكدنا مدى التأثير الكبير لهذه الوسائط على إثارة قضايا النساء في فلسطين وخلق " لوبيات الكترونية" ــ إن جاز التعبير ـــ تساهم، وإن كان على المدى المتوسط أو البعيد، في خلق حالة من التضامن والمناصرة والمساندة لكل من تعرضن إلى عنف جسدي أودى في عديد الأحيان إلى إزهاق الروح.
 مثل هذه " الاحتجاجات الإلكترونية" المطالبة بحماية حقوق وحياة المرأة نجد أنها ذات أثر ومردود ملحوظ، فما أن تم الإعلان عن وفاة الشابة غريب وجدنا كماً هائلاً من النصوص والتعليقات على صفحات الفيسبوك المطالبة بكشف الحقيقة عن أسباب الوفاة، ومعاقبة الجناة، وصولاً إلى المطالب الأوسع المتعلقة بحماية المرأة وتحقيق مطالبها وتطبيق التشريعات والقوانين المتعلقة بها.
وفي حال تم التطرق إلى مدى تأثير هذه الوسائط على واقع الشباب الفلسطيني لوجدنا أنها ذات بعدين، بعد يحمل آثاراً إيجابية، والآخر سلبياً. فمن الناحية الإيجابية، فإن هذه الوسائط أصبحت تشكل مصدراً من مصادر حصول هؤلاء الطلبة على الأخبار والمعلومات التي من شأنها التأثير في تشكيل الرأي العام مثل تعزيز الروح الوطنية والولاء والانتماء، بينما البعد السلبي فيتمثل في الإساءة إلى الآخرين، وعدم احترام رأيهم، وبث الإشاعات، والأخبار المفبركة التي تسبب الفتن والاحتقان بين المجتمعات والأفراد، مع محاولة ربط الأحداث في الدول المجاورة بالوضع الداخلي، والتشكيك في مصداقية ما تبثه وسائل الإعلام الوطنية الرسمية وشبه الرسمية، والتحريض على التظاهر أو الاعتصام أو الإضراب، واستخدام العامل الديني لإثارة سلوك أفراد المجتمع، وسواها من سلوكيات وتوجهات لا تساهم في إرساء عناصر التوحد والترابط الاجتماعي في المجتمع.
 
وقد رأينا خلال السنوات الماضية مدى التأثير للكثير من المواقع والصفحات الإلكترونية على الفيسبوك لروابط ومجموعات شبابية تطالب بحقوقها، وتثير العديد من القضايا الوطنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. ففي 15 آذار من العام 2011 شهدت الساحة الفلسطينية ما يسمى بـ الحراك الشبابي، في الضفة والقطاع، والذي تكون وانتشر بداية من خلال صفحات الفيسبوك، وأصبح لهذا الحراك رديف وسند شبابي ومجتمعي له أثره في التضامن ومناصرة العديد من القضايا المختلفة، وأبرزها مؤخراً قضية الضمان الاجتماعي.
لقد ساهم الانتشار الحر للمعلومات من خلال شبكات التواصل الاجتماعي الرقمية، في خلق إمكانية كبيرة للتحرك الشعبي الشبابي على أساس معرفة واسعة ودقيقة بالأحداث السياسية والاجتماعية، وبالتالي التأثير على صانعي القرار، وفي تشكيل الرأي العام، فوسائل الاتصال تمثل حلقة وصل بين الرأي العام وصانعي القرار.
 فوسائل الإعلام تؤثر في السياسة والمجتمع من وجهتين يرتبط بعضهما ببعض أشد الارتباط؛ ترتكز الوجهة الأولى على تأثير وسائل الإعلام على الرأي العام، الذي يؤثر بدوره في صانعي القرار، أما الوجهة الثانية فترتكز على تأثير وسائل الإعلام المباشر على صانعي القرار، بتوفير المعلومات والأفكار والصور المختلفة التي تشكل رؤيتهم للعالم.
الحديث عن موضوع هذا المقال يطول، ولكن المطلوب العمل على إثراء الجهد العلمي والأكاديمي من خلال إجراء دراسات تتابعية عن دور شبكات التواصل الاجتماعي، وبشكل أعم يشمل مختلف شرائح المجتمع، وذلك لدورها وأهميتها في تشكيل اتجاهات الرأي العام. كذلك، يتطلب الأمر ضرورة توحيد المجموعات المجتمعية، ومنها الشبابية على شبكات التواصل الاجتماعي، لتكون عمليات التحشيد والمناصرة والتأثير قوية وفعالة. كما يتوجب التركيز على معايير وأخلاقيات النشر الإلكتروني بهدف الرقي بمضمون شبكات التواصل الاجتماعي الرقمية، بعيدا عن كل أشكال التطرف أو التحريض.
تُعد صياغة وتشكيل الرأي العام في المجتمعات من الأدوار الرئيسة التي تقوم بها وسائل الإعلام الجديدة، ويتضاعف ذلك مع التطورات النوعية المتزايدة في مجالات تقنية الاتصالات، والتي منحت وسائل الإعلام إمكانيات وقدرات هائلة في التأثير على الآخرين، الأمر الذي جعل من وسائل الإعلام عاملاً رئيساً من العوامل المؤثرة على الرأي العام؛ إن لم يكن أهم تلك العوامل.
وتتم عملية التأثير على الرأي العام بخطواتٍ وأساليب متعددة، فوسائل الإعلام باعتبارها مصدراً مهماً من مصادر المعلومات تقوم بتزويد المتلقي بشكل مستمر بكم هائل من المعطيات والمعارف المختلفة في شتى القضايا والموضوعات، وهذه المعلومات قد تكون صحيحة ضمن سياقاتها الطبيعية، وقد تنزع منها فتتغير دلالاتها، وقد تكون معلومات ناقصة ومشوهة، بل وقد تكون مكذوبة، كما أنها قد تكون معلومات محايدة لا يُراد منها خدمة توجه معين، وقد تكون معلومات موجهة.
 
كذلك، ساعدت وسائط التواصل الاجتماعي الحديثة على ربط التواصل بين الشعوب بمختلف توجهاتها الحضارية؛ متجاوزة بذلك الحدود السياسية والجغرافية، والعزلة الحضارية التي كانت تعيشها معظم المجتمعات البشرية، إذ يشهد عالمنا المعاصر تحولات كبيرة في تكنولوجيا الاتصال، تؤثر في العلاقات السياسية والاقتصادية، وفي أنماط التفكير في المجتمعات المختلفة.
وشكلت هذه الوسائط عنواناً رمزياً لكثير من الفعاليات والتظاهرات والاحتجاجات والحراكات الشبابية، سواء أكانت موجهة للنظام السياسي، أو ضد توجهات أو ممارسات تقوم بها أطراف رسمية أو أهلية تتعارض مع أهداف وتطلعات الشباب وحقوقهم وآمالهم.
فنحن اليوم نعيش مرحلة جديدة لشكل جديد من أشكال صناعة الرأي العام، ونقل صورة مغايرة لما كان ينقله الإعلام التقليدي والرسمي في منطقتنا. وحتى أن ظل التلفزيون سيد المشهد فإنه اليوم لا يستغني عن المحتوى الذي يصله من صناع الخطاب (المحتوى) الجديد في مناطق الحراك العربية.
 
وقد قامت هذه الوسائط الحديثة، ولا تزال، بدورٍ فعال في إمداد الإنسان بكثير من المعلومات والمواقف والاتجاهات؛ مساهمة بذلك في تشكيل وعيه، وبإعداده ليكون أكثر قدرة على التأثير في الآخرين واستمالتهم.
أن حجم تأثير شبكات التواصل الاجتماعي يتناسب طرديا مع نهضة المجتمع التكنولوجية والمعرفية، وأنها شبكات اتصال اجتماعية تتيح لجميع المشتركين التنسيق والتواصل بحرية مطلقة والمشاركة في صنع الأحداث ومتابعتها وكسر حاجز الخوف وحولت العمل السياسي السري إلى نشاط علني.
 
وانطلاقاً من تزايد عدد المشتركين في تلك الشبكات والوسائط الرقمية، لا سيما في الوطن العربي، فقد أدى إلى تصاعد تأثيرها ودورها في المجتمع والتحولات الجارية، وزيادة مستوى منافستها لوسائل الإعلام التقليدية في تشكيل الرأي العام حول العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.  
ولكن يجب الإقرار، هنا، أنه رغم أن هذه الوسائط الإعلامية ساهمت في زيادة قدرات الناشطين والممارسة السياسية وبلورة وتشكيل الرأي العام إلا أنه لا يمكن في الوقت الحالي اعتبارها بديلا يعوض عن الممارسة السياسية التقليدية.
 
ولقد أصبحت هذه الوسائط الإعلامية من ضرورات الحياة، وهي بمثابة حلقة الوصل بين كل مؤسسات، ومقومات، ومكونات البناء الاجتماعي، وعلى عاتقها تقوم عمليات شرح وتقديم ما لدى كل مؤسسة اجتماعية للأخرى، إذ تؤدي هذه الوسائط دوراً في تشكيل الرأي العام، وفي تعبئة الجماعات، وحشدها حول أفكار وآراء واتجاهات معينة، مهما كانت هذه الجماهير متباعدة جغرافيا، فضلاً عن أنها تمثل أثراً واسعاً في تحقيق المزيد من التأثير على الجماهير، وتوجيهها نحو آراء وأفكار معينة.
إضافة إلى ذلك، فإن المعلومات والمعارف المتنوعة التي تنشر عبر هذه الوسائط تُعد القاعدة الرئيسة التي من خلالها تتمكن وسائل الإعلام من إحداث أنواع مختلفة من التأثير، سواءً على المدى القريب أو البعيد، وبهذا الاعتبار يُعد تزويد وسائل الإعلام للمتلقي بالمعلومات المختلفة آلية أولى في عملية تأثيرها على الرأي العام.
وتكمن الخطورة في هذه الآلية عندما تقوم وسائل الإعلام الجديدة في سبيل تشكيل رأي عام معين بنشر معلومات موجهة من خلال مجموعة من البرامج الإعلامية المتنوعة والتي تخدم بشكلٍ غير مباشر، ومن حيث لا يشعر المتلقي ذلك الرأي، ولكن على المدى البعيد. 
كما أن من الآليات التي تنتهجها وسائل الإعلام الجديدة في التأثير على الرأي العام الانحياز لبعض الآراء وإبرازها للجمهور، والتركيز عليها بأكثر من طريقة سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، والاحتفاء بها، والحديث عن ايجابياتها، والتقليل من شأن سلبياتها، وفي المقابل تقوم بتشويه الآراء الأخرى، وإبراز سلبياتها وتضخيمها، وافتعال الإشكالات حولها، ويصل الوضع أحيانا لحد تجاهل تلك الآراء وحجبها عن الجمهور.
 
إن وسائل الإعلام الحديثة تدفع الجمهور إلى تبني رأي معين من خلال إيهام المتلقي بأن موقفها يمثل الرأي العام، فتصفه مثلاً بأنه يمثل" الموقف الوطني"، أو " الإحساس العام"، أو أن " معظم الناس يؤيدون"…"، أو من خلال اللجوء إلى التقاليد الاجتماعية، والادعاء بان الآراء الأخرى تخالف تقاليد المجتمع، وأنها آراء شاذة، أو عبر تقديم تفسيرات قانونية اجتهادية؛ لتصبح أعمال أصحاب الآراء الأخرى وأنشطتهم خروجا عن القانون، وإن كانت هذه التفسيرات غير مسلمة وقابلة للنقاش. 
ولو تطرقنا إلى نموذج في هذ الصدد، نجد المرأة وقضاياها عربياً يجسد ذلك. فحينما تقوم وسائل الإعلام بتقسم المرأة ضمن إطار معرفي مخالف للتكوين المعرفي الذي لدى الجمهور عن المرأة، وتلجأ في سبيل ذلك إلى استخدام قوالب جذابة تعري من خلالها المرأة، فهي ناجحة لأنها متحررة من ضوابط القيم، وهي محط الأنظار؛ لأنها استغلت النواحي الجمالية في جسدها، وهي مشهورة؛ لأنه عرف عنها مقاومة الأعراف والتقاليد… وهكذا. عملية التقسيم تلك تتم عملية التغيير المعرفي عبر عملية طويلة تتنوع فيها جزئيات التكوين المعرفي الجديدة التي يراد إحلالها محل المعرفة القديمة. إن هذا الفعل يصور العلاقة بين الرجل والمرأة من خلال رؤية موجهة، ونمطية وظالمة ومبتورة تسيئ إلى الطرفين معاً.
 
ولو أخذنا مثال أضيق وأخص، متمثلاً في اهتمام رواد وسائط التواصل الاجتماعي في فلسطين بقضايا حساسة ومعقدة متعلقة بالمرأة الفلسطينية وقضاياه وهمومها وآمالها لوجدنا أن لهذه الوسائط، وتحديداً الفيسبوك أثراً ملحوظاً ومؤثراً في إثارة هذه القضايا مجتمعياً والقدرة في بلورة أو تشكيل رأي عام مساند لهذه القضايا ومطالب المرأة عموماً.
ولو تطرقنا إلى آخر تلك القضايا والقصص في ذلك، وهي قصة المغدورة الشابة من بيت ساحور إسراء غريب لتأكدنا مدى التأثير الكبير لهذه الوسائط على إثارة قضايا النساء في فلسطين وخلق " لوبيات الكترونية" ــ إن جاز التعبير ـــ تساهم، وإن كان على المدى المتوسط أو البعيد، في خلق حالة من التضامن والمناصرة والمساندة لكل من تعرضن إلى عنف جسدي أودى في عديد الأحيان إلى إزهاق الروح.
 مثل هذه " الاحتجاجات الإلكترونية" المطالبة بحماية حقوق وحياة المرأة نجد أنها ذات أثر ومردود ملحوظ، فما أن تم الإعلان عن وفاة الشابة غريب وجدنا كماً هائلاً من النصوص والتعليقات على صفحات الفيسبوك المطالبة بكشف الحقيقة عن أسباب الوفاة، ومعاقبة الجناة، وصولاً إلى المطالب الأوسع المتعلقة بحماية المرأة وتحقيق مطالبها وتطبيق التشريعات والقوانين المتعلقة بها.
وفي حال تم التطرق إلى مدى تأثير هذه الوسائط على واقع الشباب الفلسطيني لوجدنا أنها ذات بعدين، بعد يحمل آثاراً إيجابية، والآخر سلبياً. فمن الناحية الإيجابية، فإن هذه الوسائط أصبحت تشكل مصدراً من مصادر حصول هؤلاء الطلبة على الأخبار والمعلومات التي من شأنها التأثير في تشكيل الرأي العام مثل تعزيز الروح الوطنية والولاء والانتماء، بينما البعد السلبي فيتمثل في الإساءة إلى الآخرين، وعدم احترام رأيهم، وبث الإشاعات، والأخبار المفبركة التي تسبب الفتن والاحتقان بين المجتمعات والأفراد، مع محاولة ربط الأحداث في الدول المجاورة بالوضع الداخلي، والتشكيك في مصداقية ما تبثه وسائل الإعلام الوطنية الرسمية وشبه الرسمية، والتحريض على التظاهر أو الاعتصام أو الإضراب، واستخدام العامل الديني لإثارة سلوك أفراد المجتمع، وسواها من سلوكيات وتوجهات لا تساهم في إرساء عناصر التوحد والترابط الاجتماعي في المجتمع.
 
وقد رأينا خلال السنوات الماضية مدى التأثير للكثير من المواقع والصفحات الإلكترونية على الفيسبوك لروابط ومجموعات شبابية تطالب بحقوقها، وتثير العديد من القضايا الوطنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. ففي 15 آذار من العام 2011 شهدت الساحة الفلسطينية ما يسمى بـ الحراك الشبابي، في الضفة والقطاع، والذي تكون وانتشر بداية من خلال صفحات الفيسبوك، وأصبح لهذا الحراك رديف وسند شبابي ومجتمعي له أثره في التضامن ومناصرة العديد من القضايا المختلفة، وأبرزها مؤخراً قضية الضمان الاجتماعي.
لقد ساهم الانتشار الحر للمعلومات من خلال شبكات التواصل الاجتماعي الرقمية، في خلق إمكانية كبيرة للتحرك الشعبي الشبابي على أساس معرفة واسعة ودقيقة بالأحداث السياسية والاجتماعية، وبالتالي التأثير على صانعي القرار، وفي تشكيل الرأي العام، فوسائل الاتصال تمثل حلقة وصل بين الرأي العام وصانعي القرار.
 فوسائل الإعلام تؤثر في السياسة والمجتمع من وجهتين يرتبط بعضهما ببعض أشد الارتباط؛ ترتكز الوجهة الأولى على تأثير وسائل الإعلام على الرأي العام، الذي يؤثر بدوره في صانعي القرار، أما الوجهة الثانية فترتكز على تأثير وسائل الإعلام المباشر على صانعي القرار، بتوفير المعلومات والأفكار والصور المختلفة التي تشكل رؤيتهم للعالم.
الحديث عن موضوع هذا المقال يطول، ولكن المطلوب العمل على إثراء الجهد العلمي والأكاديمي من خلال إجراء دراسات تتابعية عن دور شبكات التواصل الاجتماعي، وبشكل أعم يشمل مختلف شرائح المجتمع، وذلك لدورها وأهميتها في تشكيل اتجاهات الرأي العام. كذلك، يتطلب الأمر ضرورة توحيد المجموعات المجتمعية، ومنها الشبابية على شبكات التواصل الاجتماعي، لتكون عمليات التحشيد والمناصرة والتأثير قوية وفعالة. كما يتوجب التركيز على معايير وأخلاقيات النشر الإلكتروني بهدف الرقي بمضمون شبكات التواصل الاجتماعي الرقمية، بعيدا عن كل أشكال التطرف أو التحريض.
نقلاً عن " دنيا الوطن "